تثير التدخلات الأخيرة لوزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، في سوق السندات حالة من الجدل الواسع في «وول ستريت»، وسط تحذيرات من أن هذه المحاولات لكبح العوائد قد تفضي إلى تداعيات اقتصادية خطيرة، بدلاً من تقديم حلول مستدامة لأزمة الديون المتصاعدة.

تشكيك في جدوى استراتيجية «الخزانة»

على الرغم من النجاح المحدود لهذه التدخلات في خفض عوائد السندات، إلا أن أوساطاً مالية ترى أنها محكومة بالفشل على المدى الطويل، خاصة في ظل ضخ إصدارات ديون بقيمة تقارب 4.8 تريليون دولار خلال عام 2025، مع توقعات بتجاوز هذا الرقم خلال العام الحالي. وقد اقترح بيسنت تكثيف عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل، إلى جانب تدخلات سابقة في أسواق العملات لدعم الين الياباني، بهدف منع بنك اليابان من بيع سندات الخزانة الأمريكية.

ويرى خبراء أن هذه التحركات لن تجدي نفعاً ما لم يتم معالجة الخلل المالي الجوهري، لا سيما أن الدين العام تجاوز حاجز الـ 40 تريليون دولار، مع اتجاه عجز الميزانية لتخطي تريليوني دولار في عام 2026.

انتقادات من «دروكنميلر» ومخاوف من المصداقية

دخل ستانلي دروكنميلر، المدير البارز لشركة «دوكين» لإدارة الثروات، على خط الانتقادات، محذراً من أن غياب الانضباط المالي يجعل جهود الخزانة تشكل خطراً على الأسواق وعلى مصداقية الوزارة. وأكد في مقال له أن الحاجة لتداول سندات الـ 30 عاماً بعائد 5.5% لجذب المشترين ليست أزمة، بل هي فاتورة مستحقة الدفع تتطلب معالجة العجز الأولي.

ودعا دروكنميلر الوزير بيسنت إلى التخلي عن خطة إعادة الشراء التي أُعلن عنها في 19 أغسطس، وترك السوق يحدد السعر العادل للديون. وحذر من أن دفاع الحكومات عن أسعار معينة ضد العوامل الاقتصادية الأساسية يؤدي دائماً إلى خسارة، والمتغير الوحيد هو حجم التكلفة التي ستتكبدها الدولة قبل التراجع.

حدود القدرة على التدخل

تعتمد خطة بيسنت على مضاعفة عمليات إعادة الشراء المعتادة، مع إمكانية استخدام الحساب العام للخزانة -البالغة قيمته 935 مليار دولار- لتمويل الشراء. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن هذا المسار قد لا يكون كافياً، فالحساب العام يعد «دفتر شيكات» الحكومة ويخضع لقيود محددة تظهر بوضوح في أزمات سقف الدين.

ويقارن مراقبون هذه الخطوات بأدوات الاحتياطي الفيدرالي السابقة مثل «عملية التويست» و«التيسير الكمي»، مع فارق جوهري يتمثل في أن الفيدرالي يمتلك القدرة على خلق السيولة، بينما تتقيد الخزانة برصيد نقدي محدود.

موقف الاحتياطي الفيدرالي ومستقبل السياسة

يرى رايان سويفت، كبير الاستراتيجيين في شركة BCA، أن جهود الحكومة لكبح العوائد ستبوء بالفشل ما لم يشارك الاحتياطي الفيدرالي بميزانيته العمومية، محذراً من أن هذه التحركات قد تعطي انطباعاً باليأس. ومع ذلك، هناك توقعات بأن عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، سيبدي تحفظاً على التدخل التزاماً بمبدأ «اكتشاف السعر» عبر قوى السوق.

من جانبه، أشار نوشاد شاه، رئيس مبيعات أدوات الدخل الثابت في «سيتاديل سيكيوريتيز»، إلى أن رسالة السوق واضحة وتدعو إلى سياسة مالية أو نقدية أكثر تشدداً، محذراً من أن منع تداول السندات عند أسعار أقل لا يزيل الضغط بل ينقله إلى مواضع أخرى.

وتتجه الأنظار الآن إلى اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في 15 و16 سبتمبر المقبل، وسط ترجيحات بأن تظل السياسة النقدية محل نقاش حاد في ظل التحديات التي تفرضها الأرقام الاقتصادية الراهنة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version