في خضم الحرب المستمرة في قطاع غزة، تبرز مأساة من نوع خاص تتمثل في ضياع الذاكرة الثقافية والتاريخية للمنطقة تحت الركام، حيث يكافح أصحاب المكتبات والباحثون لإنقاذ ما يمكن من مخطوطات وكتب نادرة مهددة بالاندثار بفعل القصف وعوامل الطبيعة.

يروي محمد، صاحب مكتبة “أثر” البالغ من العمر 59 عاماً، فصولاً من هذه المعاناة، حيث فقد منزله ومكتبته ومخزنه في بيت لاهيا، ولم يكتفِ بذلك بل فقد ابنه أيضاً. لقد كان يمتلك في مكتبته ما يقدر بنحو 80 إلى 100 ألف كتاب، نجح في استخراج نحو 30 ألفاً منها من تحت الأنقاض، ونقلها إلى دير البلح، ليواجه بها خطراً جديداً يتمثل في الظروف الجوية القاسية من شمس وأمطار ورطوبة.

يعيش محمد حالياً داخل خيمة في دير البلح محاطاً بكتبه التي تفترش مساحة تقارب 200 متر مربع، مؤكداً أنه يرابط بجانبها طوال اليوم لحمايتها. ويعبر عن استيائه من ندرة الكتب المتبقية في غزة بعد أن طال الدمار معظم المكتبات والمراكز الثقافية.

خسائر فادحة في البنية الثقافية

تتجاوز قصة محمد في دلالاتها البعد الشخصي، لتكشف عن حجم الدمار الواسع الذي طال البنية الثقافية في غزة. فوفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تعرضت المكتبات العامة والمؤسسات المكتبية البالغ عددها 87 مكتبة لدمار كلي أو جزئي خلال عام 2024. كما لحق الدمار بكافة الجمعيات والمراكز الثقافية المسجلة لدى وزارة الثقافة الفلسطينية، بالإضافة إلى تدمير 30 مؤسسة ثقافية غير مسجلة.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى تدمير نحو 200 موقع أثري وتراثي من أصل 325 موقعاً مسجلاً، وفقدان 2100 قطعة من الملابس التراثية والمطرزات، بالإضافة إلى تضرر 8 من أصل 15 دار نشر ومطبعة.

تاريخ مهدد بالضياع

لا تقتصر الخسارة على المباني، بل تمتد إلى وثائق نادرة ومخطوطات تاريخية كانت تحفظ ذاكرة فلسطين، مثل تلك التي كانت في مكتبة الجامع العمري الكبير أو المخطوطات والوثائق العثمانية والحجج الوقفية. وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، فقد تم التحقق من تضرر 164 موقعاً ثقافياً في غزة حتى 24 مارس 2026، بما في ذلك مواقع دينية، ومبانٍ تاريخية، ومتاحف، ومعالم فنية.

سباق لإنقاذ الذاكرة

في ظل هذا الواقع المرير، يبذل أفراد مثل محمد جهوداً استثنائية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حيث يعملون على تجفيف الكتب وتنظيف المخطوطات. ورغم ظروفه الصعبة، يحرص محمد على إتاحة كتبه للقراء بأسعار رمزية أو مجاناً لمن لا يملك المال.

ومع ذلك، يظل الرجل في حاجة ماسة لمكان آمن يحمي هذه المقتنيات من التلف. وتفيد بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بأن عام 2024 شهد فقدان 20 كاتباً، و30 فناناً تشكيلياً، و10 موسيقيين، بالإضافة إلى 58 من العاملين في قطاعات الفنون المسرحية والسينما.

وبينما تعتمد المنظمات الدولية على صور الأقمار الصناعية لتوثيق الأضرار، يبقى الحفاظ على ما تبقى من كتب ومخطوطات مرهوناً بالقدرة على الوصول إليها وتوفير الحماية اللازمة لها، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من تاريخ وهوية غزة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version