تستحضر الفنانة التشكيلية سارة البناي ذاكرة الطفولة وجمالياتها عبر رؤية فنية معاصرة في لوحتها التي حملت عنوان «كون في تيلة»، حيث تدمج بمهارة بين مفردات التراث والرموز الذهنية لرسم ملامح تتصل بالتاريخ والواقع وتطلعات المستقبل.
حوار بصري بين الماضي والمستقبل
تعتمد البناي في عملها على توظيف «التيلة»، اللعبة الشعبية العريقة التي ارتبطت بوجدان الأجيال، لتضعها في فضاء سريالي حالم داخل اللوحة. ولا تقف دلالة هذا العنصر عند حدود الحنين، بل تتجاوزها عبر محاورة «حصان الشطرنج» في تكوين بصري ذكي، يربط بين عفوية اللعب الشعبي وعمق التفكير الاستراتيجي والقرارات الحاسمة.
تُبرز الفنانة التحولات التاريخية لدولة الإمارات من خلال حلقات محيطة بالتيلة، تتضمن تواريخ مفصلية في مسيرة تطور الدولة. وبذلك، تتحول التيلة من مجرد لعبة صغيرة في حجمها المادي إلى وثيقة فنية وتاريخية تؤرخ لمرحلة بناء الإنسان، وتستعيد زمناً اتسم بالمهارة والتفاعل المباشر بعيداً عن صخب الألعاب الرقمية الحديثة.
دلالات التكوين والرمزية
وزعت الفنانة عنصر «التيلة» في أرجاء اللوحة بأحجام وإضاءات متفاوتة، مما خلق إيقاعاً بصرياً يغمر المتلقي بالعاطفة، حيث يندمج بعضها في خلفية العمل بينما يبرز بعضها الآخر كعنصر مضيء يسبح في فضاء غير مقيد بقوانين الواقع. أما «حصان الشطرنج» الذي يتوسط اللوحة، فيحمل دلالة رمزية تعكس القدرة على تجاوز المألوف وتخطي العقبات، وهو ما يتقاطع مع فلسفة العمل في الربط بين مهارات الطفولة التأسيسية ومنطق التخطيط الذهني.
بهذا العمل، تفتح سارة البناي باباً واسعاً أمام المتلقي للمشاركة في التأويل، حيث تصبح اللوحة مساحة للتأمل الوجداني، يستحضر فيها كل فرد ذاكرته الخاصة، وتنجح الفنانة في تقديم خطاب بصري يتجاوز المتعة الجمالية ليصبح وسيلة لربط الإنسان بقيمه وتاريخه وتطلعاته المستقبلية.
