شهدت الساحة الليبية تطوراً سياسياً لافتاً بتوقيع اتفاق اللجنة المصغرة المعروفة بـ”4+4″ بشكل نهائي، في خطوة وصفتها الأمم المتحدة بأنها محطة جوهرية نحو توحيد المؤسسات الوطنية وتعبيد الطريق أمام الاستحقاق الانتخابي. غير أن هذا الحدث قوبل بمفارقات قانونية وسياسية، تمثلت في غياب مؤسسات فاعلة عن المشهد، وتباين في مواقف الجهات المعنية تجاه آليات التوقيع ومخرجاته.

ملابسات الاتفاق ومسار المفاوضات

أوضحت البعثة الأممية أن الاتفاق جاء تتويجاً لسبع جولات تفاوضية امتدت لنحو ثمانية أشهر، بدأت من روما وشملت ممثلين عن القيادة العامة وحكومة الوحدة الوطنية. وتتمحور الغاية من هذا الاتفاق حول البدء في خارطة الطريق الأممية، وتحديداً معالجة الوضع القانوني للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس إدارتها، إلى جانب بلورة الإطار الدستوري المنظم للعملية الانتخابية.

وتضم اللجنة الموقعة أربعة أعضاء عن كل طرف، حيث جرى التوقيع بالأحرف الأولى في تونس يوم 20 أغسطس الجاري، قبل أن يُتوج بالاتفاق النهائي داخل الأراضي الليبية، وذلك بعد تعثر التوصل إلى توافقات مماثلة بين مجلسي النواب والأعلى للدولة.

مواقف مؤسسية متحفظة

خيمت ظلال من الغموض على الاتفاق في ظل اعتذار المجلس الأعلى للدولة عن الحضور، حيث أكد رئيسه، محمد تكالة، في خطاب وجهه للمبعوثة الأممية، أن القضايا الوطنية الكبرى لا يمكن حصرها في مسار محدود التمثيل لم يكن المجلس شريكاً في صياغتها، منتقداً في الوقت ذاته تجاوز التوافقات المؤسسية السابقة، مثل مخرجات لجنة “6+6”.

وعلى صعيد متصل، أبدى المجلس الرئاسي تحفظات إجرائية، مطالباً بالحصول على النص الكامل للاتفاق وملاحقه والأساس القانوني المستند إليه قبل تحديد موقفه النهائي. وأعرب رئيس المجلس، محمد المنفي، عن قلقه إزاء الغموض المحيط ببعض بنود التفاهمات، مشدداً على أهمية الوضوح القانوني لضمان صمود أي توافق مستقبلي.

ورغم هذه المواقف، سجل حضور عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني مراسم التوقيع، مما أثار تساؤلات حول التوجه المؤسسي للمجلس، وما إذا كان هذا الحضور يعكس قبولاً سياسياً جزئياً أم مجرد مشاركة بروتوكولية.

هل يتجاوز الاتفاق أزمة الشرعية؟

تؤكد تصريحات أعضاء المجلس الأعلى للدولة، مثل أحمد الأوجلي وأحمد أهمومة، أن الاعتذار عن المشاركة لا يعني رفضاً لمبدأ الانتخابات أو خارطة الطريق الأممية، بل هو اعتراض على آلية العمل والانفراد بالتفاوض، مشددين على ضرورة عرض أي اتفاق على المؤسسات الوطنية قبل اعتماده.

من جانبه، حذر الخبير القانوني والسياسي، المستشار أنور ياسين المنفي، من حالة الارتباك التي تعتري العملية السياسية، مشيراً إلى أن غياب المشاركة المؤسسية الواسعة يضعف شرعية مخرجات مسار “4+4” داخلياً، ويفتح الباب أمام تأويلات قد تعيق التنفيذ.

ويبقى التساؤل الراهن: هل ستنجح هذه المبادرة في تجاوز عقباتها الإجرائية والتحول إلى واقع قانوني ومؤسسي؟ أم ستواجه المصير ذاته الذي آلت إليه المسارات السابقة، حيث تظل التحديات الحقيقية متمثلة في كيفية تحويل التفاهمات السياسية المدعومة دولياً إلى واقع داخلي مقبول ومستقر.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version