في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، يطرح المفكر الفرنسي جاك أتالي في كتابه “غداً.. من سيحكم العالم؟” تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الدولي وقدرة أي قوة منفردة على قيادة البشرية، مرجحاً أن نشوء “حكومة عالمية” قد يكون عملية تدريجية تفرضها الأزمات الكبرى لا الإرادات السياسية المنفردة.
مسارات التاريخ والهيمنة
يستعرض أتالي في مؤلفه، الذي نقلته إلى العربية سونيا محمود نجم، تاريخ الهيمنة الدولية بدءاً من الإمبراطوريات التقليدية وصولاً إلى النفوذ الغربي بشقيه الأوروبي والأمريكي. ويرى أن التاريخ شهد محاولات متعددة لفرض النفوذ، إلا أنها بقيت محكومة بآليات التوازن القوى التقليدية، وهو ما يفتح الباب للنقاش حول مفهوم “القانون الأممي” ومدى فعاليته في غياب سلطة تنفيذية توازن بين مقتضيات الأخلاق وقوة الضبط والردع.
إخفاق المؤسسات الدولية
يشير المفكر الفرنسي إلى أن المحاولات التاريخية لإنشاء أطر لحكم العالم، مثل “عصبة الأمم” و”منظمة الأمم المتحدة”، باءت بالإخفاق في فرض استقرار دائم؛ نتيجة لصدام الأيديولوجيات وتداعيات الحروب الباردة. ويؤكد أتالي أن انفرد الولايات المتحدة بالساحة الدولية بعد عام 1989 تحت مسمى “النظام العالمي الجديد” لم يلغِ حقيقة أن التحديات العالمية الكبرى، من أسلحة نووية وندرة موارد، تجاوزت قدرة أي دولة بمفردها على إدارتها.
مستقبل السلطة العالمية
يرى أتالي أن المستقبل لا يحمل في طياته صعود قوة عالمية وحيدة قادرة على بسط سيطرتها المطلقة؛ إذ لا تملك الولايات المتحدة، أو الصين، أو الهند، أو حتى الاتحاد الأوروبي، الرغبة أو القدرة الفعلية لتحمل أعباء “حكم العالم”. وبدلاً من ذلك، يتوقع الكاتب أن تظهر ملامح حكومة عالمية بشكل تدريجي في أعقاب أزمات شاملة -سواء كانت اقتصادية، بيئية، أو صحية- تجعل البشر يدركون ترابط مصائرهم.
نحو شكل جديد من التنظيم
لا يستبعد أتالي أن تكون هذه الحكومة “فوق قومية” وناتجة عن تشابك معقد بين شبكات من الدول، والمؤسسات العابرة للحدود، والمنظمات غير الحكومية، والجهات الفاعلة من أفراد ونقابات. ومع ذلك، يطرح تساؤلات حرجة حول كيفية ضمان عدالة توزيع الموارد، وتجنب الانزلاق نحو أشكال جديدة من الشمولية، في ظل عالم لا يزال يعاني من تفاوتات طبقية وعرقية وانفلاتات أمنية تهدد استقراره.
