تشهد الساحة السياسية الليبية سجالاً محتدماً حول القوانين الانتخابية المرتقبة، حيث نقل اتفاق سياسي أُعلن عنه مؤخراً في طرابلس المعركة من دهاليز المفاوضات إلى حلبة التنافس حول آليات الاقتراع، ودور الأحزاب السياسية في تشكيل ملامح البرلمان المقبل.
وبموجب الاتفاق الأخير، من المقرر أن تعمل الأطراف المعنية خلال الشهر المقبل على استكمال الترتيبات اللازمة لاعتماده وطنياً، مع وضع مسار بديل يحظى بدعم أممي ودولي في حال تعثر مصادقة مجلسي النواب والدولة عليه.
صراع النظام الانتخابي
يتمحور الخلاف الجوهري حول العودة إلى القانون رقم 10 لسنة 2014، الذي يعتمد النظام الفردي في الانتخابات التشريعية، مقابل مطالبات حزبية واسعة بالتمسك بالقانون رقم 27 لسنة 2023. ويمنح الأخير الأحزاب دوراً مباشراً من خلال نظام انتخابي مختلط، يخصص 152 مقعداً للقوائم الحزبية المغلقة، مقابل 145 مقعداً للترشح الفردي، وهو ما يراه مراقبون تحولاً نحو نموذج سياسي يعزز حضور المؤسسات الحزبية.
وفي هذا السياق، أعلن التجمع الوطني للأحزاب الليبية، الذي يضم 79 حزباً، رفضه القاطع لأي تسوية سياسية تهمش دور الأحزاب أو تحصر مشاركتها في الترشح الفردي، مؤكدين أن ذلك يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها البرامجي.
قيود وتحديات
من جانبه، أشار الدكتور عبد الله التقاز، رئيس التجمع الوطني للأحزاب الليبية، إلى وجود قيود تعيق عمل الأحزاب، منها صعوبة الحصول على تراخيص لعقد ملتقيات سياسية، مطالباً برفع هذه القيود لضمان حق الأحزاب في ممارسة نشاطها السياسي والمساهمة في رسم مستقبل البلاد.
بدوره، يرى الدكتور يوسف الفارسي، رئيس حزب ليبيا الكرامة وأستاذ العلوم السياسية، أن الاعتماد على النظام الفردي يعزز التشتت ويحول الانتخابات إلى صراعات شخصية ومحلية، بعيداً عن المشاريع السياسية المتكاملة التي تقدمها القوائم الحزبية، رغم إقراره بأن النظام الفردي قد يمنح تمثيلاً مباشراً للمناطق.
بين الشرعية القانونية والواقع المؤسسي
يؤكد الدكتور مجدي الشبعاني، أستاذ القانون الليبي، أن الأحزاب تستند في وجودها إلى القانون رقم 29 لسنة 2012، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في “هشاشة مؤسسية” تعاني منها العديد من الأحزاب، وضعف في انتشارها المجتمعي.
ويحذر الشبعاني من أن الاكتفاء بالنظام الفردي قد ينتج برلماناً يفتقر إلى كتل سياسية واضحة، مما يصعب عملية تشكيل الحكومات، داعياً إلى ضرورة إصلاح الحياة الحزبية عبر ضبط التمويل وتعزيز الديمقراطية الداخلية، بدلاً من إقصائها.
وفي السياق ذاته، يرى المحلل السياسي محمد محفوظ أن وجود الأحزاب قانونياً لا يكفي، مطالباً إياها بتجاوز مرحلة إصدار البيانات والعمل بفاعلية على الأرض، وتنظيم صفوفها، والضغط بشكل أكثر تأثيراً لتعزيز حضورها في المشهد الوطني.
