كثيرًا ما يستهين الناس بأعراض التعب المستمر والوهن العام، معتبرين إياها ضريبة لضغوط الحياة اليومية، بينما قد تكون في الواقع جرس إنذار للإصابة بـ “الأنيميا”، تلك الحالة الصامتة التي تستنزف طاقة الجسم وتعرقل وظائفه الحيوية نتيجة نقص الهيموجلوبين، البروتين المسؤول عن نقل الأكسجين إلى خلايا الجسم المختلفة.

ويوضح د. عمر عيسى حابوه، استشاري طب الأسرة والطب الرياضي، أن انخفاض مستويات الهيموجلوبين يُجبر القلب على بذل مجهود مضاعف بزيادة سرعة نبضاته لتعويض نقص الأكسجين. وتُشخص الإصابة طبياً عندما تنخفض معدلات الهيموجلوبين عن 13 جراماً/ديسيلتر للرجال، و12 جراماً للنساء، و11 جراماً للحوامل، مع التأكيد على أن هذه النسب قد تتفاوت تبعاً للحالة الصحية العامة لكل مريض.

علامات تحذيرية لا تتجاهلها

تتعدد الأعراض المنذرة بالإصابة، وتتراوح بين الشحوب الظاهر في الوجه وراحة اليد وباطن الجفن السفلي، والشعور المستمر بالخفقان والدوخة، وصولاً إلى برودة الأطراف وضعف التركيز وتساقط الشعر وتكسر الأظافر. كما يشير المختصون إلى ظواهر غير مألوفة، مثل الرغبة في مضغ الثلج أو تناول مواد غير غذائية، كإشارات تستوجب إجراء الفحوصات الطبية الفورية.

أسباب الإصابة وتصنيفاتها

يعزو الأطباء أسباب الأنيميا إلى ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها نقص العناصر الأساسية لتكوين الدم كالحديد وفيتامين ب12 وحمض الفوليك. أما المحور الثاني فهو فقدان الدم الناتج عن نزيف خارجي أو داخلي كقرحة المعدة، بينما يتمثل الثالث في تكسر كريات الدم قبل أوانها أو ضعف إنتاجها في نخاع العظام نتيجة الأمراض المزمنة أو الوراثية.

التشخيص والتعامل العلاجي

يعد تحليل “صورة الدم الكاملة” البوابة الأولى والأساسية للتشخيص؛ إذ يساعد الطبيب في تحديد سبب الأنيميا بناءً على حجم كريات الدم. وشدد د. حابوه على أن الأنيميا ليست مرضاً مستقلاً بذاته، بل هي عرض لخلل أعمق، محذراً من تناول مكملات الحديد دون استشارة طبية، فقد يؤدي ذلك إلى إخفاء أعراض أمراض خطيرة كأورام القولون أو القرح النازفة، خاصة لدى الرجال والنساء فوق سن الخمسين.

نصائح غذائية ووقائية

على صعيد التغذية، ينصح الخبراء بتنويع مصادر البروتين في الوجبات والتركيز على الخضروات الورقية، مع تعزيز الامتصاص بتناول فيتامين “سي” الموجود في الحمضيات، وتجنب الشاي والقهوة فور تناول الطعام لاحتوائهما على “التانين” الذي يعيق امتصاص الحديد. كما يُنصح الفئات الأكثر عرضة للخطر -كالحوامل، وكبار السن، ومرضى السكري والكلى- بإجراء تحاليل دورية سنوياً.

وتظل المراجعة الطبية الفورية ضرورة لا غنى عنها في حال اقترن التعب بنقص الوزن، أو الحمى المستمرة، أو تغير لون البراز، أو ظهور كدمات دون سبب، أو ضيق التنفس في حالات الراحة؛ فالكشف المبكر هو السبيل الأمثل لضمان سرعة الاستجابة للعلاج.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version