بلغت عوائد السندات العالمية مستويات قياسية لم تشهدها منذ نحو عقدين من الزمن، مدفوعة بمخاوف متنامية من عودة التضخم إلى الواجهة، وتزايد الرهانات على استمرار البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في نهج رفع أسعار الفائدة.
موجة بيع عالمية وضغوط تضخمية
شهدت أسواق السندات في اليابان وأستراليا تراجعاً ملحوظاً، حيث لامست عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات حاجز الـ 3 بالمئة للمرة الأولى منذ عام 1996. وتزامن ذلك مع عمليات بيع واسعة في سندات الخزانة الأميركية، دفعت عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ يناير 2025. كما واصل مؤشر “بلومبرغ” للسندات السيادية العالمية صعوده للجلسة الرابعة على التوالي، مسجلاً 3.72 بالمئة، وهو ذروة لم يصل إليها المؤشر منذ منتصف عام 2008.
تأثير السياسات النقدية وأسعار الطاقة
شكل خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، في “جاكسون هول” الأخيرة، محفزاً رئيسياً لهذه التغيرات، إذ جدد التأكيد على التزامه بكبح التضخم الذي تجاوز مستهدفات البنك المركزي لسنوات. وفي موازاة ذلك، أدت التوترات العسكرية المرتبطة بالولايات المتحدة وإيران إلى تصاعد المخاوف بشأن تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، مما تسبب في ارتفاع أسعار النفط وزيادة الضغوط التضخمية.
وأوضحت إيدانا أبّيو، مديرة المحافظ لدى “فيرست إيغل إنفستمنتس”، أن الأسواق باتت تسعّر مساراً تصاعدياً لأسعار الفائدة قصيرة الأجل على مستوى العالم، مشيرة إلى أن المستثمرين بدأوا في إعادة تقييم تقديراتهم لأسعار الفائدة المحايدة.
الإنفاق الحكومي والعجز المالي
تتعرض السندات العالمية لضغوط متواصلة نتيجة ارتفاع الإنفاق الحكومي في اقتصادات كبرى مثل بريطانيا، واليابان، والولايات المتحدة، حيث يطالب المستثمرون بعوائد أعلى مقابل حيازة الديون طويلة الأجل. وتراجع مؤشر “بلومبرغ” للسندات العالمية بنحو 0.9 بالمئة منذ بداية العام الحالي، بعد أن كان قد حقق مكاسب بلغت 6.8 بالمئة خلال عام 2025.
وقد انعكست هذه التطورات على توقعات المؤسسات المالية؛ حيث عدّل اقتصاديون في “باركليز” و”سوسيتيه جنرال” توقعاتهم لترجح رفع أسعار الفائدة خلال العام الجاري. وفي اليابان، تشير عقود مبادلة أسعار الفائدة إلى احتمال يصل إلى 92 بالمئة لقيام بنك اليابان برفع الفائدة بحلول سبتمبر المقبل، بينما يواجه البنك المركزي الأسترالي توقعات مماثلة برفع الفائدة للمرة الرابعة هذا العام بعد بيانات تضخم قوية.
نظرة مستقبلية
يرى مارك كرانفيلد، محلل استراتيجيات الأسواق في “بلومبرغ”، أن الخلفية قصيرة الأجل للأسواق تبدو “سامة” في ظل تضافر عوامل التضخم المستمر مع اتساع العجز المالي في الدول الكبرى. ويشير المحللون إلى أن التوقعات الموسمية لا تبشر بانفراج قريب، حيث يعد شهرا سبتمبر وأكتوبر من بين أسوأ الأشهر أداءً لمؤشر السندات العالمية تاريخياً.
من جانبه، يؤكد براشانت نيوها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة لدى “TD Securities” في سنغافورة، أن سوق السندات يبعث برسالة واضحة مفادها أن التضخم المزمن يعني بالضرورة أسعار فائدة أعلى لفترة أطول، مرجحاً استمرار عمليات البيع في ظل تدهور الأوضاع المالية العالمية.
