تشهد أسواق السندات العالمية موجة بيع مكثفة دفعت العوائد إلى مستويات قياسية جديدة، مما أثار مخاوف المستثمرين من تكرار سيناريو الانهيار الذي شهدته الأسواق عام 2022. ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن المشهد الحالي لا يزال أقل حدة، حيث تظل الخسائر المسجلة حتى الآن محدودة مقارنة بالاضطرابات السابقة التي تزامنت مع دورات تشديد السياسة النقدية العنيفة.
مؤشرات مطمئنة رغم الضغوط
على الرغم من تراجع السندات العالمية بنسبة 4.2 بالمئة منذ مطلع العام الجاري، إلا أن هذه النسبة تظل بعيدة عن الانهيار التاريخي الذي بلغ 23 بالمئة خلال عام 2022. وتظهر بيانات “بلومبرغ” أن عوائد السندات الحكومية العالمية ارتفعت بمقدار 17 نقطة أساس فقط خلال 20 جلسة، وهو ما يقل كثيراً عن قفزة الـ 62 نقطة أساس التي سُجلت في الفترة ذاتها قبل أربعة أعوام.
وفي هذا السياق، يرى مايك غوساي، كبير مسؤولي الاستثمار والرئيس العالمي للدخل الثابت في شركة “Principal Asset Management”، أن التقلبات الراهنة وإن كانت مربكة، إلا أنها تفتح آفاقاً استثمارية طويلة الأجل كانت غائبة طوال العقد الماضي. كما يشير ستيفن ميلر، المستشار في شركة “GSFM”، إلى أن مستويات العوائد الحالية أصبحت أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن الدخل مقارنة بالماضي، حيث ارتفع متوسط معدل الكوبون في مؤشر “Bloomberg Global Treasury Total Return” إلى 2.68 بالمئة مقابل 1.84 بالمئة في 2022.
لماذا تتزايد الضغوط على السندات؟
لا يقتصر الضغط الحالي على التضخم المستمر، بل يمتد ليشمل عوامل هيكلية أخرى، أبرزها ارتفاع حجم الإنفاق الحكومي في اقتصادات كبرى كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا واليابان، مما يعزز من إصدارات الديون. كما أدى السباق لتمويل طفرة الذكاء الاصطناعي إلى زيادة المنافسة على رأس المال، مما ساهم في رفع تكاليف الاقتراض عالمياً.
وقد انعكس هذا الوضع على عوائد السندات القياسية؛ إذ قفز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.81 بالمئة، وهو الأعلى منذ أواخر عام 2023. وفي السياق ذاته، لامس عائد السندات اليابانية حاجز 3 بالمئة لأول مرة في القرن الحالي، بينما سجلت السندات البريطانية 5.28 بالمئة، والألمانية 3.39 بالمئة، في مستويات لم تشهدها منذ سنوات طويلة.
رهانات السوق مقابل الواقع الاقتصادي
يرى كيري كريغ، الاستراتيجي العالمي للأسواق لدى “JPMorgan Asset Management”، أن الأسواق قد تبالغ في توقعاتها بشأن زيادات أسعار الفائدة، خاصة مع ضعف البيانات الاقتصادية الأخيرة في الولايات المتحدة، حيث تراجعت الوظائف ومبيعات التجزئة، وتباطأ نمو الاقتصاد الياباني.
ورغم استمرار التحديات المتمثلة في أسعار الطاقة والديون الحكومية، يظل المستثمرون أكثر تماسكاً مما كانوا عليه في 2022؛ حيث تراجعت تقلبات عوائد السندات إلى 37 نقطة أساس مقارنة بذروة 56 نقطة أساس في مايو الماضي. وتؤكد أياكو سيرا، كبيرة استراتيجيي الأسواق في “Sumitomo Mitsui Trust Bank”، أن السوق لم يواجه حتى الآن محفزاً حاسماً يدفع المستثمرين نحو الخروج الجماعي، مما يضع السوق في حالة من الترقب والحذر بدلاً من الذعر الشامل.






