لم تعد التحديات التي تعصف بالاقتصاد العالمي مقتصرة على كوابح التضخم وأسعار الفائدة أو تقلبات أسواق السندات فحسب، بل بدأت تداعياتها تتغلغل في عمق الشركات وتطال استقرار الوظائف، وسط مشهد جيوسياسي مضطرب يشهد أعلى مستويات الانقسام منذ الحرب العالمية الثانية، مع وجود نحو 130 نزاعاً مسلحاً حول العالم.
خسائر مليارية وتضخم متفاقم
تشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن كلفة هذه الاضطرابات تلتهم نحو 300 مليار دولار سنوياً، مع احتمالية أن تصل إلى 7 تريليونات دولار إذا توسع نطاق النزاعات. وفي ظل هذا المناخ، بلغت أسعار الطاقة مستويات قياسية، بينما يلوح في الأفق خطر أمن غذائي نتيجة تعطل إمدادات الأسمدة، مما دفع البنوك المركزية لتشديد سياساتها النقدية، لتصل عوائد السندات الحكومية في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وأستراليا إلى ذروة لم تسجلها منذ عقدين.
ألمانيا في قلب العاصفة
تعد ألمانيا النموذج الأبرز لتعطل المحركات الاقتصادية؛ حيث شهدت السنوات الست الأخيرة إغلاق أكثر من مليون و65 ألف شركة، بمتوسط 486 شركة يومياً. وخلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، سجلت البلاد 14,500 حالة إفلاس، وسط توقعات بارتفاع الرقم إلى 24,650 بحلول نهاية العام. وقد طالت هذه الأزمة 165 ألف وظيفة في النصف الأول من العام فقط، تحت ضغط تكاليف التشغيل المرتفعة، والمنافسة الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية، ونقص العمالة.
ويتصدر قطاع السيارات الألماني واجهة الأزمة؛ إذ تتجه “فولكس فاغن” لتسريح 50 ألف موظف بحلول 2030، وتدرس “بي إم دبليو” إلغاء 8 آلاف وظيفة، بينما أرجأت “مرسيدس” صرف مستحقات 90 ألف موظف للعام المقبل.
سياسة نقدية متضاربة وأزمة ديون
من جانبه، يرى محمد علي ياسين، الرئيس التنفيذي لشركة “مزايا” الغاف من “لونيت”، أن التضارب بين الاعتبارات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة يزيد من تعقيد المشهد. فبينما يستهدف الاحتياطي الفيدرالي خفض كلفة الاقتراض، يقف التضخم المستمر وارتفاع أسعار الطاقة عائقاً أمام ذلك، واصفاً التأخر في اتخاذ القرار بالخطأ السياسي والاقتصادي ذي التبعات السلبية طويلة الأمد.
ويحذر ياسين من تضخم ديون الحكومة الأميركية التي وصلت إلى 40 تريليون دولار، مع عجز موازنة يناهز تريليوني دولار. وأوضح أن الحكومة تعتمد على آلية إصدار سندات جديدة لسداد القديمة، مما يرفع كلفة الدين؛ فمع نمو الناتج المحلي بنسبة 3% وكلفة دين تصل إلى 4.5%، ينشأ فارق سلبي يضغط على الاقتصاد ويزيد مخاطر التعثر، متوقعاً حدوث تصحيح كبير في سوق الأسهم إذا تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات حاجز الـ 5%.
البحث عن الأمان في الأسواق
في ظل هذه المعطيات، أصبحت السندات منافساً شرساً للأسهم؛ حيث يتساءل المستثمرون عن جدوى المخاطرة في أسهم تعطي عائداً بين 3 و4% بينما توفر السندات أو الودائع عوائد تصل إلى 6% مع مستوى أمان أعلى. ويرى ياسين أن الأسواق في أوقات عدم اليقين تكافئ الأمان، مؤكداً أن ضخ سيولة جديدة ليس الخيار الأمثل حالياً، بينما يظل تخصيص جزء من المحفظة للذهب (بنسبة 20% إلى 25%) خياراً منطقياً للمستثمر طويل الأجل.
ويختتم ياسين رؤيته بالإشارة إلى أن حدوث أزمة مالية عالمية يبقى احتمالاً وارداً، خاصة حينما تغيب هذه التوقعات عن أذهان الجميع، لافتاً إلى أن ما تعانيه ألمانيا قد يكون انعكاساً لمشكلة أوروبية أعمق، بينما قد يواجه الدولار مستقبلاً تراجعاً في هيمنته لصالح مجموعة عملات أخرى.
