سجلت صادرات أشباه الموصلات الكورية الجنوبية قفزة تاريخية بلغت 209% في شهر أغسطس الماضي، لتصل قيمتها إلى مستوى قياسي عند 46.65 مليار دولار، مستفيدة من الطلب المتزايد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ورغم هذا النمو الضخم الذي عزز إجمالي صادرات البلاد لتصل إلى 98.25 مليار دولار، تثير هذه الطفرة مخاوف اقتصادية بشأن الاعتماد المفرط على قطاع واحد وقدرة الاقتصاد على مواجهة أي تباطؤ مفاجئ.
محركات النمو ومخاطر الاعتماد على الرقائق
أوضحت وزارة التجارة والصناعة والطاقة الكورية أن الطفرة جاءت مدفوعة بزيادة الإنفاق الرأسمالي من شركات الحوسبة السحابية العالمية مثل “جوجل” و”أمازون”. وفي هذا السياق، أوضح جيف نغ، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي لآسيا في مجموعة “سوميتومو ميتسوي” المصرفية، أن صادرات أشباه الموصلات مثلت قرابة 80% من نمو الصادرات الكلية خلال شهر أغسطس، إلى جانب مساهمات من أجهزة الكمبيوتر وارتفاع أسعار المنتجات النفطية.
ورغم الطابع الإيجابي لهذه المؤشرات، يرى ديف شيا، الخبير الاقتصادي في “موديز أناليتيكس”، أن الوتيرة المحمومة تثير القلق من “توقف مفاجئ” محتمل، مشيراً إلى أن الاقتصاد يعمل حالياً بسرعتين متفاوتتين. وأضاف شيا أن التحدي يكمن في أن القطاعات التي يفترض بها تعويض أي تراجع محتمل في سوق الرقائق تواجه هي الأخرى ضغوطاً هيكلية ومالية.
تحديات السياسة النقدية والقطاعات التقليدية
يأتي هذا النمو في ظل تشديد نقدي يفرضه بنك كوريا المركزي، الذي رفع سعر الفائدة الأساسي إلى 3% في أغسطس للمرة الثانية على التوالي، وذلك لكبح التضخم الأساسي. ويحذر الخبراء من أن ترافق تراجع الطلب على الرقائق مع السياسة النقدية المتشددة قد يؤدي إلى تلاشي المكاسب الاستثنائية، لا سيما في ظل غياب طلب محلي قوي.
وعلى صعيد القطاعات التقليدية، سجلت صادرات السيارات انخفاضاً بنسبة 29.8% في أغسطس، وهي تراجعات عزتها وزارة التجارة إلى تأثيرات العطلات الصيفية والإضرابات الجزئية، بالإضافة إلى تحديات هيكلية مثل الرسوم الجمركية الأمريكية والتحول نحو الإنتاج المحلي داخل الولايات المتحدة.
نظرة مستقبلية متفائلة بحذر
رغم التحديات، أشار بنك كوريا المركزي إلى بوادر تسارع في تعافي الاستهلاك المحلي، بينما أظهرت بيانات وزارة التجارة ارتفاعاً بنسبة 20% في الصادرات غير المتعلقة بأشباه الموصلات. من جانبه، يتوقع هومين لي، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي في “لومبارد أودييه”، قدرة كوريا الجنوبية على الحفاظ على معدل نمو سنوي بين 2% و3%، مؤكداً أن تنوع القطاعات الدورية في البلاد يقلل من مخاطر “الاعتماد المفرط”.
كما يرجح جيف نغ استمرار النمو الإجمالي للصادرات خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، مع احتمالية حدوث تباطؤ طفيف نتيجة لاستقرار الأسعار وتأثيرات سنة الأساس، مما يبقي على التوقعات قصيرة المدى في مسار إيجابي.
