يُظهر الاقتصاد العالمي قدرة استثنائية على التماسك في وجه التقلبات الجيوسياسية الحادة وتكاليف الاقتراض المرتفعة، بفضل الزخم الكبير الذي أحدثته استثمارات الذكاء الاصطناعي. فقد تحولت هذه التكنولوجيا إلى قوة موازنة فعالة، تدعم النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة، وتنشط صادرات التكنولوجيا في آسيا، مما مكن الاقتصادات المتقدمة من امتصاص صدمات كانت تهدد بدفع العالم نحو تباطؤ حاد.

تتجلى هذه المرونة الاقتصادية في ظل ظروف عالمية ضاغطة، تشمل النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، وتصاعد التوترات الإقليمية، واستمرار ارتفاع أسعار النفط قرب حاجز الـ 90 دولاراً للبرميل. وعلى الرغم من هذه التحديات، أظهرت البيانات الأولية لمؤشر مديري المشتريات الصادر عن “ستاندرد آند بورز” لشهر أغسطس 2026، أن الاقتصادات المتقدمة الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان والمملكة المتحدة، سجلت أسرع وتيرة نمو مجمعة منذ أبريل 2022، حيث بلغ المؤشر المركب في الولايات المتحدة 56 نقطة، مقابل 52.1 في منطقة اليورو، و52.5 في المملكة المتحدة، و53.4 في اليابان.

صراع بين صدمة العرض والطلب الإيجابي

وصف تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي المشهد الحالي بأنه “صراع بين صدمة عرض سلبية” ناتجة عن التوترات في الشرق الأوسط، و”صدمة طلب إيجابية” يغذيها الذكاء الاصطناعي. وقد أوضحت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد، أن التوسع في مراكز البيانات عالمياً بات محركاً جوهرياً للنمو، مما خفف من وطأة أزمات الطاقة التي تصاعدت عقب إغلاق مضيق هرمز في فبراير 2026.

ويشير الخبراء، ومن بينهم الدكتور بيار الخوري، إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تجاوز كونه مجرد تمويل لشركات ناشئة، ليتحول إلى دورة رأسمالية واسعة. ففي عام 2025، استحوذت شركات الذكاء الاصطناعي على 61% من إجمالي رأس المال الجريء عالمياً، بقيمة وصلت إلى 258.7 مليار دولار. وتشير تقديرات شركة “PwC” إلى أن الإنفاق الرأسمالي العالمي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يصل إلى 800 مليار دولار في 2026، مع توقعات بوصول إجمالي الإنفاق إلى 31.6 تريليون دولار بحلول عام 2050.

انعكاسات على التجارة الدولية واستدامة النمو

من جانبه، يؤكد المحلل الاقتصادي جوزيف فرح أن طفرة الذكاء الاصطناعي أعادت تشكيل حركة التجارة الدولية، خاصة في آسيا؛ حيث ارتفعت صادرات اليابان بنحو 22% في يوليو 2026، بينما حققت كوريا الجنوبية قفزة في صادراتها بلغت 62.8%، مدفوعة بالطلب العالمي على أشباه الموصلات ومعدات الحوسبة.

ومع ذلك، يشدد الخبراء على أن استمرار هذا الدور الإيجابي مرهون بتحول الإنفاق من “بناء القدرات” إلى “تحقيق عوائد إنتاجية ملموسة”. فبينما يمثل الذكاء الاصطناعي مصدراً حيوياً للطلب في وقت تتراجع فيه محركات النمو التقليدية، فإن أي تراجع مفاجئ في هذه الدورة الاستثمارية قد يحرم الاقتصاد العالمي من أهم ركائزه الحالية، ما يجعل الاستدامة في الإنتاجية هي الاختبار الحقيقي القادم لضمان عدم حدوث تصحيح اقتصادي مؤلم.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version