أكد خبراء ومشاركون في مائدة مستديرة بمدينة جنيف السويسرية أن استمرار النزاع المسلح في السودان وتصاعد قدرته التدميرية لم يعودا رهناً بالعوامل الداخلية فحسب، بل أصبحا مرتبطين بشكل وثيق بتدخلات إقليمية ودولية تغذي الحرب بالأسلحة والتمويل.
جاء ذلك خلال ندوة نظمتها “ائتلاف السودان” تحت عنوان “الجغرافيا السياسية للنزاع المسلح في السودان: دور الفاعلين الداخليين والخارجيين”، وذلك بالتزامن مع مناقشات مجلس حقوق الإنسان بشأن تقرير بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق.
أبعاد دولية لصراع داخلي
أوضح غسان بو دياب، المدير التنفيذي لمركز “ديموكراتيا” للبحوث والدراسات الاستراتيجية، أن الأزمة السودانية تحولت إلى حرب ذات أبعاد دولية نتيجة لتدفق الأسلحة والمقاتلين وشبكات الإمداد. وشدد على أن الحل لا يكمن في ترجيح كفة عسكرية على أخرى، بل في رفع الكلفة السياسية والمالية للحرب، مشيراً إلى ضرورة التحرك وفق خمسة محاور: وقف إطلاق النار، وتفعيل أدوات الضغط، وحماية السيادة، وتحقيق المساءلة، والانتقال إلى حكم مدني.
من جانبه، انتقد المشاركون، ومن بينهم خالد عمر يوسف القيادي في تحالف “صمود” وعبد الباقي جبريل رئيس مركز السودان للمعرفة، ما وصفوه بـ”الإدانة الانتقائية” للتدخلات الخارجية، مؤكدين تورط أكثر من 12 دولة في تأجيج الصراع، وطالبوا بمعايير موحدة للمساءلة لكافة الأطراف الخارجية المتورطة في إمداد طرفي النزاع بالسلاح أو الدعم السياسي.
اقتصاد الحرب وتدمير الموارد
سلط عبد الباقي جبريل الضوء على الأبعاد الاقتصادية للنزاع، محذراً من تحول الذهب والموارد الطبيعية إلى وقود يغذي آلة الحرب، في ظل انهيار مؤسسات الدولة وغياب الرقابة. وأشار إلى أن تدمير البنية التحتية والمصانع يتجاوز كونه جرائم فردية، داعياً بعثة تقصي الحقائق إلى توسيع نطاق تحقيقاتها لتشمل الجرائم الاقتصادية التي تهدد مستقبل البلاد بعد الحرب.
اتهامات باستخدام أسلحة محرمة
أثار ملف استخدام الأسلحة الكيميائية جدلاً واسعاً في الجلسة، حيث دعا خالد عمر يوسف إلى إجراء تحقيق فني ميداني ومستقل تقوده منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للبت في التقارير التي تتهم الجيش السوداني باستخدام هذه المواد. وفي السياق ذاته، أكد المشاركون أن التقارير المحلية الصادرة حول هذا الشأن تفتقر إلى العناصر الفنية الحاسمة، مطالبين بجهة دولية ذات تفويض تقني لضمان المصداقية.
أزمة الشرعية والدور المدني
حذر خالد عمر يوسف من أن السودان يشهد حالة تقسيم واقعي نتيجة تعدد مراكز النفوذ المسلح، مؤكداً أن حماية الدولة لا تكون بالانحياز لأي طرف عسكري بل بإعادة بنائها على أسس مدنية ديمقراطية. من جهتها، أكدت إليسا مبيزا، مسؤولة الشراكات في منظمة نساء أفريقيا للتضامن، على أهمية دور المجتمع المدني وضرورة إشراك النساء والضحايا في عملية التسوية السياسية، بدلاً من حصر الحلول في طاولة المفاوضات بين حاملي السلاح.
وخلص المشاركون إلى أن إنهاء معاناة السودانيين يتطلب تفكيك البنية الداخلية التي سمحت باختطاف الدولة، بالتوازي مع كبح شبكات الدعم الخارجي، مشددين على أن غياب عملية سياسية مركزها المدنيون يجعل من أي هدنة مجرد استراحة مؤقتة في صراع يستنزف مقومات الوطن.
