تُقدم الكاتبة الفلسطينية جين سعيد المقدسي في كتابها «جدتي وأمي وأنا.. مذكرات ثلاثة أجيال من النساء العربيات» شهادة إنسانية وتاريخية فريدة، ترصد عبر سردية شخصية عميقة تحولات المنطقة العربية وتجارب المنفى من منظور نسوي يدمج بين الذاكرة الفردية والتاريخ العام.
يستعرض الكتاب، الذي نقلته إلى العربية المترجمة هالة كمال، مسارات حياة ثلاث نساء من عائلة واحدة، هنَّ: الجدة «منيرة موسى بدر» التي ولدت في حمص وتنقلت بين بيروت والقاهرة، وابنتها «هيلدا موسى سعيد» التي ولدت في الناصرة وعاشت بين بيروت والقاهرة، وصولاً إلى الكاتبة «جين سعيد المقدسي» المولودة في القدس، والتي عاشت محطات حياتية في القاهرة والولايات المتحدة قبل أن تستقر في بيروت منذ السبعينات.
تحولات المكان والزمان
لا تقف المذكرات عند حدود الحكاية العائلية، بل تتجاوزها لتصبح مرآة لقرن من الزمن، حيث تسلط الضوء على أحداث جسام، من أفول العهد العثماني، مروراً بضياع فلسطين عام 1945، وحرب السويس عام 1956، وصولاً إلى الحرب الأهلية اللبنانية. وتُروى هذه الأحداث من خلال «شرفات البيوت» وارتجافات الحياة اليومية، لا من زوايا السياسة الرسمية، مما يعيد تشكيل التاريخ بوصفه تجربة شعورية معاشة.
يعد الكتاب تقاطعاً لافتاً بين الأدب والتاريخ الشفاهي والعلوم الاجتماعية، حيث تنجح المقدسي -شقيقة الكاتب الراحل إدوارد سعيد- في استكشاف دور المرأة كعنصر فاعل في التاريخ، باحثةً في كيفية تأثير التقاطعات بين التعليم الغربي والتنشئة العربية على تشكيل الهوية والذات.
وتقارن المقدسي في مذكراتها بين تجربتها وتجربة شقيقها إدوارد سعيد، لا سيما في تناول قضية النزوح والمنفى القسري لعائلتهما من فلسطين، حيث تركز هي بشكل أكبر على كيفية تأثر مفهومها عن ذاتها بتقاطعات الهوية والاضطرابات السياسية التي شهدها الشرق الأوسط، لتؤكد في نهاية المطاف أن الكتابة هي فعل مقاومة ضد النسيان، وأن الأثر يبقى طالما هناك من يروي الحكاية.
