في مشهدٍ إنساني يعكس تحولاً لافتاً في مسارات النزوح، يتدفق آلاف اليمنيين عبر مضيق باب المندب نحو جيبوتي هرباً من جحيم المعارك المحتدمة، في رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر كانت تُستخدم سابقاً للعبور في الاتجاه المعاكس من قبل المهاجرين الأفارقة.
نزوح تحت وطأة القصف
منذ تصاعد حدة المواجهات في سبتمبر الماضي بين القوات الحكومية والحوثيين المدعومين من إيران، غادر ما لا يقل عن 100 ألف شخص مناطقهم. وقد امتد نطاق القتال ليشمل مدينة “ذو باب” الساحلية ومدينة المخا، مما دفع عائلات بأكملها إلى خوض غمار البحر بحثاً عن الأمان، حيث تقطعت بهم السبل ولم يجدوا سوى مياه البحر ملاذاً للنجاة.
وتروي “وحيدة”، وهي أم في الأربعين من عمرها، لحظات الهروب المرعبة من “ذو باب” وسط دوي الانفجارات وبكاء أطفالها، مشيرة إلى أن الرحلة كانت محفوفة بالمخاطر في ظل التحليق المستمر للطائرات فوق القوارب، وهي الرحلة التي وصفها مراقبون بأنها من أخطر طرق الهجرة في المنطقة.
واقع النزوح ومتاعب الضيافة
تشير تقديرات السلطات الجيبوتية إلى وصول أكثر من ألفي يمني إلى أراضيها مؤخراً. ووفقاً لألكسندر كواساك، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في جيبوتي، فإن النازحين لا يكتفون بجلب أمتعتهم الأساسية، بل يحملون معهم ماشيتهم وألواحاً شمسية، في مؤشر واضح على قناعتهم بطول أمد الأزمة.
وفي هذا السياق، يصف قاسم بن قاسم، وهو صياد يبلغ من العمر 40 عاماً فرّ مع عائلته، قسوة الظروف التي يعيشها اليمنيون قائلاً: “أقسى ما نواجهه هو العيش في ظل خوف دائم من الحرب”، مضيفاً أنه لم يتمكن من حمل سوى بعض البطانيات وملابس أطفاله قبل الهروب.
تحديات إنسانية متزايدة
على الرغم من إشادة المنظمة الدولية للهجرة بالجهود التي تبذلها جيبوتي لاستقبال النازحين، حذر وزير الاقتصاد الجيبوتي، إلياس موسى دواله، من الضغوط المتزايدة على بلاده التي لا يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، مؤكداً أن توفير الغذاء والمأوى والرعاية الصحية للأعداد المتدفقة أصبح يمثل تحدياً بالغ الصعوبة.
وقد حذرت المنظمة الدولية للهجرة من أن استمرار الأعمال العسكرية في الساحل الغربي لليمن -الذي بات تحت سيطرة الحوثيين- قد يدفع مزيداً من المدنيين إلى سلوك الطرق البحرية الخطرة، بينما قد يُجبر المهاجرون الأفارقة المتجهون إلى دول الخليج على اتباع مسارات أكثر خطورة لتجنب مناطق الاشتباكات، مما ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.



