يشهد قطاع الصناعات الدوائية تحولاً لافتاً نحو الفضاء، حيث تسعى كبرى الشركات لاستغلال بيئة “الجاذبية الصغرى” لتطوير عقاقير أكثر فعالية، في خطوة تهدف لنقل الأبحاث من مجرد تجارب مختبرية إلى مرحلة التصنيع التجاري الفعلي.
الجاذبية الصغرى: ثورة في هيكلة الأدوية
تعتمد صناعة الأدوية القائمة على البروتينات بشكل حيوي على دقة تكوين البلورات، وهي عملية تتأثر سلباً بالجاذبية الأرضية التي تعيق حركة السوائل والجزيئات. وفي المقابل، تتيح بيئة الفضاء انعدام هذه التأثيرات، مما يسمح بنمو بلورات بروتينية أكثر انتظاماً وتجانساً.
وقد أثبتت التجارب التي أُجريت على مدار عقدين في محطة الفضاء الدولية نجاعة هذه البيئة. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك عقار “كيترودا” (بيمبروليزوماب) الخاص بمرض السرطان، والذي طورته شركة “ميرك”؛ حيث أظهرت دراسة منشورة في دورية “إن بي جي مايكروغرافيتي” أن العقار الذي خضع لتجارب في الفضاء أنتج بلورات أكثر تجانساً، مما يمهد الطريق لإنتاج تركيبات عالية التركيز تتيح للمرضى الحصول على جرعاتهم عبر الحقن تحت الجلد بدلاً من جلسات التسريب الوريدي المطولة.
من المختبرات إلى المصانع الفضائية
بدأت الشركات الناشئة في تحويل هذه النتائج إلى نماذج عمل تجارية. ففي مايو 2026، أطلقت شركة “بيو أوربت” البريطانية وحدة خاصة إلى محطة الفضاء الدولية لإنتاج بلورات بروتينية عالية النقاء. كما تتبنى شركة “فاردا سبيس إندستريز” الأميركية نموذجاً أكثر طموحاً عبر إرسال مختبرات غير مأهولة لإجراء عمليات التصنيع والعودة بها إلى الأرض.
وفي هذا السياق، نجحت “فاردا سبيس إندستريز” في معالجة عقار “ريتونافير” المخصص لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز). وأكدت دراسة منشورة في أبريل 2026 في دورية “إم بي جي مايكروغرافيتي” أن المادة احتفظت باستقرارها الفيزيائي والكيميائي بعد عودتها إلى الأرض، وهو مؤشر حيوي على إمكانية نجاح عمليات التصنيع المداري.
تحديات المستقبل والبدائل المرتقبة
على الرغم من الآفاق الواعدة، إلا أن التصنيع الفضائي لا يزال يواجه تحديات لوجستية وتكلفة عالية، مما يجعله مقتصراً حالياً على المواد ذات القيمة المرتفعة والأحجام الصغيرة. كما تفرض المعايير الصارمة لسلامة الأدوية تساؤلات حول كيفية الرقابة على المصانع في المدار وتأثيرات الإشعاع وعمليات الإطلاق على جودة المنتج.
ومع اقتراب موعد تقاعد محطة الفضاء الدولية المتوقع بحلول عام 2030، يبرز تحدٍ إضافي أمام هذه الشركات يتمثل في تأمين بنية تحتية فضائية بديلة، تشمل المحطات التجارية أو الكبسولات المستقلة، لضمان استمرارية هذه الأبحاث الواعدة.






