أدى الانتشار المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي إلى فرض تحديات غير مسبوقة على مقابلات العمل عن بُعد، حيث باتت الشركات أمام ضرورة ملحة للتحقق من كفاءة المرشحين ونزاهة أدائهم، وسط مخاوف من استخدام تقنيات التزييف العميق وبرمجيات التلقين الآلي للإجابة عن الأسئلة خلال المقابلات.
إجراءات تقنية لمواجهة التزييف
في محاولة للحد من “الغش التكنولوجي”، بدأت الشركات في اعتماد بروتوكولات صارمة وغير تقليدية؛ إذ يتم مراقبة حركة عين المرشح للتأكد من عدم استخدامه لشاشات أو أجهزة مساعدة جانبية، كما تُطلب مشاركة شاشة الحاسوب لرصد أي تطبيقات خارجية قد تُستخدم أثناء المقابلة. وفي حالات متقدمة، تُطالب الشركات المرشحين بتحريك الكاميرا داخل الغرفة لضمان خلوها من أي أطراف أخرى أو أجهزة إضافية، مع التوصية بإزالة الخلفيات الافتراضية، وحتى طلب التلويح باليد أمام الوجه لكشف أي تلاعب رقمي أو تقنيات تزييف عميق تعتمد على صور مولدة آلياً.
وتشير تقارير إلى لجوء بعض الجهات إلى تتبع عناوين “IP” للتحقق من الموقع الجغرافي للمرشح ومقارنته ببياناته، في إجراء يهدف إلى ضمان شفافية التوظيف. وقد كشف استطلاع أجرته منصة “Checkr” وشمل 3000 مدير توظيف، أن 59% من المستطلعين اشتبهوا بتلقي مرشحين لمساعدة خارجية عبر الذكاء الاصطناعي أثناء عمليات الاختيار.
شهادات من الميدان
تستعرض هيلذر ويلكوكس، مديرة توظيف سابقة، تجربتها قائلة إنها خضعت لمقابلات تضمنت مراقبة لحركة العينين وحظر استخدام الخلفيات الافتراضية، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي صعّب من عملية الفرز بفضل السير الذاتية المثالية والإجابات الجاهزة. من جهتها، أوضحت إليسا باريت، رئيسة قسم الموارد البشرية في شركة “Somos”، أن المؤسسة بدأت فحص عناوين “IP” ومطالبة المرشحين بإزالة الخلفيات الافتراضية لضمان جدية المتقدمين.
في المقابل، اتخذت شركات أخرى مثل “نومينال” قراراً بحصر التوظيف على المقابلات الشخصية المباشرة داخل مقر الشركة، لضمان السيطرة الكاملة على عملية التقييم بعيداً عن تقنيات التلاعب عن بُعد.
الخصوصية مقابل النزاهة
تؤكد خبيرة التوظيف جومانا أبو جخ على ضرورة تصميم مقابلات تركز على المهارات التي يصعب محاكاتها آلياً، مثل التفكير النقدي وحل المشكلات في الوقت الحقيقي. ومع ذلك، تحذر من أن المبالغة في إجراءات الرقابة قد تنفر المواهب الحقيقية، مشيرة إلى أن الشركات أمام معادلة صعبة توازن بين حقها في التثبت من كفاءة الموظف، وبين الحفاظ على خصوصيته.
وفي هذا السياق، يشدد مستشار التوظيف رامي الريس على أهمية التزام الشركات بمبدأ “التناسب” في الرقابة، مع ضرورة الإفصاح للمرشحين عن طبيعة البيانات التي تُجمع خلال المقابلات، مؤكداً في الوقت ذاته أن التكلفة المترتبة على التوظيف الخاطئ قد تكون باهظة جداً، مما يجعل استثمار الشركات في أدوات التثبت والتحقق ضرورة لضمان كفاءة فرق العمل.



