تواجه البنوك المركزية حول العالم اختباراً هو الأكثر تعقيداً منذ عقود، في ظل تساؤلات متزايدة عما إذا كانت الأدوات النقدية التقليدية المتمثلة في رفع أسعار الفائدة لا تزال كافية لاحتواء موجات التضخم الحالية، التي تجاوزت في هيكليتها مجرد زيادة في الطلب لتصبح مرتبطة بعوامل عرض دولية معقدة.
الفرق الجوهري بين التضخم “الطلب” و”العرض”
يفرق الاقتصاديون بين نوعين من التضخم؛ الأول هو “تضخم الطلب” الذي ينتج عن زيادة إنفاق المستهلكين والشركات وتوسع الاقتصاد، وهو النوع الذي أثبتت السياسة النقدية كفاءتها العالية في كبحه عبر رفع الفائدة لامتصاص السيولة وتقليل الاقتراض. أما النوع الثاني والأكثر إشكالية فهو “تضخم العرض”، الذي تفرضه صدمات خارجية مثل اضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، وهي عوامل لا يمكن لأسعار الفائدة معالجتها مباشرة، وقد تؤدي محاولة كبحها بهذه الطريقة إلى الدخول في حالة من “الركود التضخمي”.
لقد أظهرت حقبة ما بعد جائحة كورونا مزيجاً معقداً من هذين النوعين، حيث تضافرت السياسات المالية التحفيزية مع اختناقات الشحن ونقص الطاقة والتوترات في الشرق الأوسط وأوكرانيا، مما جعل المهمة أمام صناع السياسات بالغة الصعوبة.
مؤشرات قاتمة للاقتصاد العالمي
تشير التقديرات الأخيرة لصندوق النقد الدولي إلى تباطؤ مسار تراجع التضخم الذي بدأ عام 2024، مع توقعات بوصوله إلى 4.7 بالمئة خلال عام 2026 قبل احتمالية تراجعه مجدداً في 2027، وذلك نتيجة لاستمرار الضغوط الجيوسياسية وتذبذب أسعار الطاقة. من جانبه، حذر البنك الدولي من أن هذا المزيج من التضخم والنمو البطيء يضع الاقتصادات المتقدمة والناشئة في تحدٍ حقيقي، بينما ترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن استمرار اضطرابات الأسواق قد يضطر البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً.
هل فقدت أدوات البنوك المركزية فاعليتها؟
نجحت المؤسسات النقدية الكبرى، كالفيدرالي الأمريكي والمركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، في كبح التضخم الناجم عن الطلب ومنع تحوله إلى دوامة مزمنة للأجور والأسعار. ومع ذلك، يظل رفع الفائدة إجراءً عاجزاً أمام معضلات العرض؛ مثل نقص النفط أو تعطل سلاسل الإمداد. ويؤكد باحثون في بنك التسويات الدولية (BIS) أن العالم يشهد تحولات هيكلية تجعل التضخم أكثر عرضة للتقلبات، مثل تراجع العولمة، والشيخوخة السكانية، وتغير المناخ، والتحول نحو الطاقة النظيفة، وهي عوامل تجعل التضخم أكثر مقاومة للأدوات التقليدية.
وخلاصة القول، فإن المعركة مع التضخم لم تنتهِ بعد؛ حيث لم يعد السؤال متمحوراً حول كفاءة الإجراءات النقدية بقدر ما يتعلق بمدى كفايتها. ويجمع الخبراء في تقارير دولية على أن التغلب المستدام على التضخم يتطلب استراتيجية متكاملة تجمع بين السياسة النقدية، والانضباط المالي، والاستثمار في تعزيز مرونة سلاسل التوريد العالمية.






