مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، تواجه الشركات العاملة في دولة الإمارات تحدياً قانونياً وتجارياً يتمثل في تحديد متى تتحول الأزمات اللوجستية أو نقص الوقود إلى “قوة قاهرة” تعفيها من التزاماتها التعاقدية. وتتوقف الإجابة القانونية على هذا التساؤل ليس فقط على طبيعة الحدث، بل على القانون الحاكم للعقد وموقعه، سواء كان في البر الرئيسي أو المناطق الحرة.

اختلاف الأطر القانونية وتأثيرها على الشركات

أكد دليل عملي صادر عن دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي بالشراكة مع “غرف دبي” و”بيكر مكنزي”، أن القوة القاهرة تُعرف بأنها حدث استثنائي يخرج عن سيطرة الأطراف، ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً من الناحية الموضوعية. وبحسب الدليل، فإنه لا يكفي أن يصبح التنفيذ أكثر كلفة أو صعوبة لاعتباره قوة قاهرة، بل يجب أن يكون الحدث خارجياً، غير متوقع، ولا يمكن درؤه.

ويختلف التعامل مع هذه الوقائع بناءً على المرجعية القانونية؛ ففي البر الرئيسي، تُطبق أحكام القانون المدني الإماراتي، بينما تعتمد المناطق المالية الحرة مثل “مركز دبي المالي العالمي” و”سوق أبوظبي العالمي” على مبادئ القانون العام، حيث تُعد القوة القاهرة مسألة تعاقدية تعتمد في المقام الأول على كيفية صياغة بنود العقد.

تطورات القانون المدني الجديد

أدخل القانون المدني الجديد، الذي دخل حيز التنفيذ في مطلع يونيو 2026، تغييرات جوهرية في معالجة القوة القاهرة مقارنة بالقانون السابق. وحدد القانون الجديد أربع حالات للقوة القاهرة: الاستحالة الكلية، الاستحالة الجزئية، الاستحالة المؤقتة، والانفساخ. وبموجب هذه التعديلات، تختلف سبل الانتصاف المتاحة، حيث قد تؤدي الحالات إلى انقضاء الالتزام، أو تعديل العقد، أو فسخه بحكم قضائي.

معايير الإثبات والتمييز بين المفاهيم

شدد التقرير على ضرورة التفريق بين “القوة القاهرة” التي تجعل التنفيذ مستحيلاً، وبين “الظروف الطارئة” التي تجعل التنفيذ مرهقاً للغاية ولكن ليس مستحيلاً. فالاضطرابات اللوجستية، مثل نقص الوقود أو تعطل مسارات النقل، لا تُصنف تلقائياً كقوة قاهرة ما لم يثبت الطرف المتضرر انعدام البدائل القانونية والعملية لتنفيذ التزاماته.

كما أوضح أن زيادة الكلف، أو الاضطرابات الاقتصادية العامة، أو المخاوف المتعلقة بالسمعة، لا تُشكل عادةً أساساً قانونياً للقوة القاهرة. وفي المقابل، تُعد أوامر التعليق الحكومية أو إغلاق الموانئ أدلة قوية لدعم ادعاءات الشركات، شريطة إثبات العلاقة السببية المباشرة بين الحدث وعدم القدرة على التنفيذ.

خطوات عملية للتعامل مع الاضطرابات

لضمان حماية الموقف القانوني للشركات عند حدوث أزمات، ينصح الخبراء باتباع مسار إجرائي منظم يبدأ بـ: تحديد القانون الحاكم والاختصاص القضائي، تصنيف الواقعة، مراجعة الالتزامات التعاقدية بدقة، وتجهيز ملف أدلة يوثق محاولات تخفيف الآثار. كما يؤكد التقرير أهمية الإخطار المبكر للطرف المقابل، وفصل المدفوعات المستحقة التي لا تتأثر بالحادث عن الالتزامات المتعثرة.

وأخيراً، يظل التفاوض الودي والبحث عن ترتيبات مؤقتة أو تنفيذ مرحلي خياراً أقل كلفة من التقاضي أو التحكيم. وتوفر دبي منظومة متكاملة لتسوية النزاعات عبر مؤسسات مثل “مركز دبي الدولي للتحكيم”، ومركز التسوية الودية للمنازعات، وخدمات الوساطة في غرف دبي، مما يساهم في حل المعضلات التعاقدية بعيداً عن أروقة المحاكم.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version