تعد فرقة «مسرح الشارقة الحديث» علامة فارقة في تاريخ الفن الإماراتي، حيث انطلقت منذ تأسيسها في عام 1974 لتشكل مختبراً إبداعياً للكلمة المسؤولة، محولةً المسرح من ممارسات عفوية إلى أداء احترافي جاد يسهم في تشكيل وعي المجتمع وتطوره.
تأسست الفرقة في بداياتها تحت اسم «مسرح خالد»، متخذة من «جمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح» مقراً لها في منطقة الجزات. وقد كانت هذه الانطلاقة المبكرة نقطة تحول في المشهد المسرحي المحلي، إذ عملت الفرقة على إرساء تقاليد فنية متينة، وحضور دائم في المهرجانات، وفي مقدمتها «أيام الشارقة المسرحية»، التي شهدت تتويجها بالعديد من الجوائز، فضلاً عن دورها في صقل مواهب أجيال متعاقبة من الفنانين.
رواد وأسماء بارزة في مسيرة الفرقة
ارتبط تاريخ الفرقة بأسماء أسست لنهضتها الفنية، ومن بينهم الفنان مرعي الحليان الذي قاد الفرقة لسنوات طويلة وأضفى عليها هوية متميزة، والراحل حميد سمبيج، والفنانون إبراهيم سالم، وسعيد عبد العزيز، وأحمد الأنصاري الذي لا يزال حاضراً بعطائه كممثل ومخرج. كما أسهمت قامات إخراجية وكتابية في صياغة الفكر الفني للفرقة، مثل المخرج حسن رجب، والكاتب والمخرج علي جمال، والمخرج جاسم الخراز، والمخرج محمد صالح، وآخرون ساهموا في ترسيخ مكانة الفرقة كمنارة إبداعية.
من «مسرح خالد» إلى «المسرح الحديث»
في عام 1989، شهدت الفرقة تحولاً هيكلياً وتسمية جديدة لتصبح «المسرح الحديث في الشارقة». ولم يكن هذا التغيير شكلياً فحسب، بل جاء استجابة لتطور الرؤية الفنية والتوجهات الثقافية في الإمارة، ومواكبة للقرارات التنظيمية للفرق الأهلية، مما منح الفرقة دفعة فكرية للانفتاح على القوالب المسرحية المعاصرة.
محطات فنية وعروض خالدة
تميزت الفرقة بقدرتها على التأثير في الجمهور عبر عروض متنوعة؛ ففي مرحلة التأسيس، قدمت أعمالاً مثل «الرجال لهم رؤوس»، و«الله يكون في العون»، و«الشركة»، و«حكاية دكان»، إضافة إلى مسرحيات أيقونية مثل «مأساة بائع الدبس الفقير» و«الوحوش لا تغني». وتعتبر مسرحية «مأساة الحلاج» عام 1986 المحطة التاريخية الأبرز التي نقلت الفرقة من الكوميديا الاجتماعية البسيطة إلى آفاق المسرح الذهني والفصحى التعبيري.
أما في مرحلتها الحديثة، فقد واصلت الفرقة نهجها الجاد عبر أعمال حصدت نجاحات واسعة، منها مسرحية «ليلى بنعمر» التي نالت أربع جوائز كبرى في الدورة العشرين لأيام الشارقة المسرحية، وصولاً إلى أعمال حديثة مثل «ليلك ضحى» (2018)، «الساعة الرابعة» (2019)، «وليمة عيد» (2024)، و«علكة صالح» (2025)، والتي تجلى فيها النزوع نحو التجريب والمسرح النخبوي.
وتأكيداً على دورها كمركز تدريبي، أولت الفرقة اهتماماً كبيراً بالورش الفنية التي عملت كمختبرات عملية للتعريف بعناصر العرض المسرحي، مما عزز مكانتها كواحدة من أهم الركائز التي قام عليها المشروع الثقافي والمسرحي في إمارة الشارقة.






