في ظل الطفرة المتسارعة التي يشهدها قطاع الذكاء الاصطناعي عالمياً، يبرز تحدٍ بيئي جديد يهدد المدن والمجتمعات المحلية؛ إذ باتت مراكز البيانات الضخمة المخصصة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي مصدراً لانبعاثات حرارية هائلة تؤثر بشكل مباشر على مناخ المناطق المحيطة بها، مما يفاقم من حدة ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”.
تفاقم ظاهرة الجزر الحرارية
تشير التقديرات إلى أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تعمل على مدار الساعة اعتماداً على آلاف المعالجات عالية الأداء، حيث تتحول معظم الطاقة الكهربائية التي تستهلكها هذه المنشآت في نهاية المطاف إلى حرارة يتوجب التخلص منها. وبحسب بيانات نقلتها وكالة “بلومبرغ نيوز”، يمكن لمركز بيانات واحد بقدرة تتجاوز 50 ميغاواط أن ينتج كمية من الحرارة تعادل ما تولده 54 ألف وحدة سكنية، ليتم طرد هذه الحرارة لاحقاً عبر مراوح وأنظمة تبريد ضخمة إلى الهواء الخارجي.
دراسات ترصد التأثير الميداني
كشفت دراسة أجراها باحثون من جامعة ولاية أريزونا أن أعمدة الهواء الساخن المنبعثة من تلك المراكز يمكن أن تمتد لأكثر من 300 قدم خارج حدود المنشأة، مع رصد ارتفاعات في درجات الحرارة على مسافات تصل إلى 500 متر في اتجاه الرياح. وفي مدينة فينيكس، أظهرت الدراسة أن المناطق الواقعة في اتجاه الرياح القادمة من مركز بيانات تابع لشركة “CyrusOne” سجلت درجات حرارة أعلى بما يصل إلى 4 درجات فهرنهايت مقارنة بالمناطق الأخرى. ويوضح ديفيد سايلور، مدير مدرسة العلوم الجغرافية والتخطيط الحضري بالجامعة، أن مركز البيانات يعمل أشبه بـ “حاسوب محمول عملاق” يضخ كميات ضخمة من الهواء الساخن في محيطه.
تبعات بيئية واقتصادية
يحذر الباحثون من أن التوسع في بناء مجمعات لمراكز البيانات قرب المناطق السكنية سيؤدي إلى تفاقم أزمة الجزر الحرارية، مما يترتب عليه زيادة في استهلاك الطاقة لأغراض التكييف المنزلي، وارتفاع فواتير الكهرباء على السكان، فضلاً عن التأثير على النظم البيئية المحلية وأنماط الرطوبة والأمطار على المدى الطويل، مما يجعل من الحرارة الناتجة عن هذه المراكز عنصراً أساسياً يجب مراعاته في التخطيط الحضري المستقبلي.
مقاومة شعبية وتعثر المشروعات
أدت هذه المخاوف البيئية إلى تصاعد المعارضة الشعبية، حيث تم تعليق أو تأجيل ما لا يقل عن 45 مشروعاً لمراكز بيانات في الفترة ما بين أبريل ويونيو 2026، بقيمة إجمالية تصل إلى 68 مليار دولار. كما بدأ مشرعون في ولايات أمريكية مثل نيويورك وتكساس في اتخاذ خطوات لتقييد التوسع غير المنضبط، مطالبين بمنح المجتمعات المحلية سلطة أكبر في الموافقة على مواقع الإنشاء.
النمو المستمر في القدرة التشغيلية
على الرغم من مساعي المطورين لاستخدام تقنيات للحد من انبعاث الحرارة، يرى تيبو ديغور، مدير شركة “EOLIOS Engineering” الاستشارية، أن وتيرة نمو القطاع وارتفاع القدرة التشغيلية لكل مركز جديد يجعلان المشكلة أكثر وضوحاً. ومع استمرار سباق التكنولوجيا، بات السؤال الملح أمام السلطات والمطورين: كيف يمكن الموازنة بين متطلبات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وضرورة حماية المدن من التحول إلى مناطق أكثر سخونة؟



