تخطو دولة الإمارات خطوات استراتيجية متسارعة نحو إعادة صياغة منظومتها المالية الحكومية، عبر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي المساعد لتعزيز كفاءة الإنفاق وتسهيل الإجراءات، وذلك في إطار الدورة الثالثة لبرنامج “تصفير البيروقراطية”. ولم يعد التحول الرقمي في هذا السياق مجرد أداة لتقليص المعاملات، بل بات محركاً جوهرياً لإعادة هندسة الإدارة المالية وجعلها أكثر استباقية وذاتية التنفيذ.
نقلة نوعية في العمل المالي
أكدت وزارة المالية أن هذا التوجه يجسد رؤية القيادة الرشيدة في الانتقال من مرحلة تقليص المستندات إلى تطوير خدمات استباقية توفر الوقت والجهد. وخلال “مجلس المتعاملين” الذي نظمته الوزارة لاستعراض إنجازات عامي 2024 و2025، تم اختبار حلول عملية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في ستة مجالات مالية حيوية، وهي: إعداد الميزانية، نقل المخصصات المالية، طلبات فرض أو تعديل الرسوم الاتحادية، إجراءات رواتب الموظفين، المشتريات الحكومية، ودورة إعداد الحساب الختامي.
وأوضحت فاطمة يوسف النقبي، وكيل وزارة المالية المساعد لقطاع الخدمات المساندة بالإنابة، أن الوزارة تعتمد نهجاً مسؤولاً في استخدام الذكاء الاصطناعي، يركز على تحسين تجربة المتعامل والموظف مع الالتزام بأعلى معايير الحوكمة، لضمان دقة الأداء الرقمي قبل الاعتماد الشامل للحلول المطورة.
رؤية خبراء الاقتصاد والإدارة
من جانبه، أشار الخبير الاقتصادي حسين القمزي إلى أن الإمارات لا تكتفي برقمنة الخدمات، بل تعيد تصميم فلسفة العمل المالي؛ حيث يسهم الذكاء الاصطناعي في تحليل أنماط الإنفاق وتدقيق المشتريات لحظياً، مما يعزز التنافسية الاقتصادية عبر تقليل التكاليف وزمن المعاملات، وبالتالي تحرير رأس المال وتطوير بيئة استثمارية مرنة.
وفي السياق ذاته، اعتبر عاصم جلال، استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات، أن تميز التجربة الإماراتية يكمن في ربط التكنولوجيا بإعادة هندسة العمليات الفعلية وإشراك المتعاملين في تصميم الحلول. وأوضح أن هذا النهج يمهد الطريق لجعل النموذج الإماراتي معياراً دولياً للأتمتة المالية، خاصة مع التركيز على وضع ضوابط ومراحل تحقق دقيقة تسبق أي تطبيق تقني واسع النطاق.
وتشكل مخرجات هذه النقاشات خارطة طريق تلتزم بها فرق العمل بوزارة المالية لضمان مواءمة الخدمات مع مستهدفات رؤية “نحن الإمارات 2031″، سعياً لتحقيق هدف “تصفير” 100% من الإجراءات غير الضرورية وتعزيز مكانة الدولة كمركز مالي عالمي رائد.



