يبرز الخطاط الإماراتي محمد عيسى خلفان في أعماله الفنية محاولة جادة لتطوير الخط العربي ونقله من أطره التقليدية الجامدة إلى آفاق الفن التشكيلي المعاصر، حيث يبتكر لغة بصرية تتجاوز القواعد الهندسية الصارمة لتخاطب ذائقة الأجيال الحالية بمختلف خلفياتهم الثقافية.
وفي أحد أعماله المتميزة التي خطها بأسلوب “الثلث الجلي”، يتناول الفنان الآية الكريمة: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا». وقد نجح خلفان في توظيف هذه الآية لتحويل النص القرآني إلى بناء بصري متكامل، يجمع بين الجلال الروحي والجمال التشكيلي، مع التركيز على علاقة الكتلة بالفراغ وحركية الحرف بدلاً من الاكتفاء بالوظيفة القرائية التقليدية.
توازن الكتلة والفراغ
اعتمد الفنان في تكوينه البصري على خلق توازن دقيق ومدروس، إذ تتركز الكتلة الأساسية في وسط اللوحة عبر تشابك الحروف وتداخلها بأسلوب هندسي مقصود. وتبرز في اللوحة الامتدادات الأفقية للحروف التي تخرج عن حدود المركز، مما يمنح التكوين حركة انسيابية ديناميكية، يقابلها حضور قوي للألفات واللامات الرأسية، الأمر الذي يخلق مساراً بصرياً دائرياً يوجه عين المتلقي في رحلة بصرية بين أجزاء العمل الفني.
تكامل الفن والمعنى
لم يعد النص في لوحة خلفان مجرد كلمات مسطورة، بل تحول إلى مادة فنية متعددة المستويات؛ فبينما يظل المعنى الديني للآية حاضراً بقوة، تتجسد طاقة الحرف العربي عبر الإيقاع والكتلة. وقد لعب الاقتصاد اللوني دوراً محورياً في تعزيز هذه القوة، حيث فرض اللون الأسود سيطرته على الحروف، مانحاً إياها هيبة وثقلاً بصرياً، بينما وفرت الخلفية ذات اللون الأصفر الفاتح دفئاً وهدوءاً ربط العمل بالتراث، مما جعل اللون خادماً لجماليات الخط لا منافساً له.
إضاءة على مسيرة الفنان
يعد محمد عيسى خلفان، المولود عام 1966، قامة فنية بارزة، وهو حاصل على إجازة في خطي الثلث والنسخ، وتتلمذ على يد الخطاط د. صلاح شيرزاد. وتزخر مسيرته بمشاركات واسعة في معارض جمعية الإمارات للفنون التشكيلية منذ عام 1992، إلى جانب حضوره في ملتقيات الخط العربي في كل من الكويت، والبحرين، وقطر، وبيروت، وتوجت مسيرته بحصوله على جائزة العويس للإبداع في مجال الخط.






