لم تعد التقنية الكمية مجرد امتداد لتطور الحوسبة التقليدية، بل باتت واقعاً يفرض نفسه على خارطة التكنولوجيا العالمية، مع تحولها إلى ركيزة أساسية في معالجة البيانات المعقدة وتأمين الأصول الرقمية. وفي ظل تسابق الحكومات والشركات العالمية لامتلاك هذه القدرات، تتضح ضرورة التحرك الاستباقي للشركات والمؤسسات التي تسعى للحفاظ على تنافسيتها.
الاستثمار في “المستقبل”
يتجسد التوجه نحو هذه التقنية في استثمارات ضخمة؛ إذ أعلنت شركة “IBM” في مايو 2026 عن تخصيص أكثر من 10 مليارات دولار على مدار خمس سنوات لتطوير نظامها الكمي “Starling” المتوقع إطلاقه بحلول 2029. وانطلاقاً من هذه الرؤية، تأسس مركز “كوانتوم” في دبي، ثمرةً لنقاشات استراتيجية مع خبراء “IBM Consulting”، ليكون وجهةً للشركات التي تتطلع لتطوير حلولها قبل نضوج السوق، تماماً كما جرى مع مراكز الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.
تكمن أهمية هذه الخطوة في منح أكثر من 26 ألف شركة عضو في مركز دبي للسلع المتعددة، بما في ذلك 4 آلاف شركة تقنية، فرصة الاختبار والتعلم المبكر. فالتقنية الكمية، التي تشمل الحوسبة والاتصالات والاستشعار، تتطلب فهماً دقيقاً للفرق بين ما هو متاح بحثياً اليوم وما يحتاج إلى سنوات من التطوير الهندسي.
سباق عالمي تقوده الابتكارات
تشهد الساحة العالمية تطورات ملموسة؛ ففي أكتوبر 2025، حققت “Google” تفوقاً كمياً عبر تنفيذ خوارزمية بسرعة تفوق الحواسيب التقليدية بـ 13 ألف مرة، تزامناً مع تقدم معالج “Nighthawk” من “IBM”. وعلى صعيد آخر، توسعت المشاركات الدولية مع إدراج شركة “IQM” الأوروبية في بورصة “Nasdaq”، وتطوير الصين لآلة “Origin Quantum” بقدرة 180 كيوبت.
كما يمتد الطموح إلى توظيف الألماس في تقنيات الحوسبة؛ إذ تعمل شركة “Quantum Brilliance” وجهات بحثية مثل جامعة “TU Delft” على هندسة الألماس الاصطناعي ليتحول إلى “كيوبتات” ومستشعرات قادرة على العمل في درجات حرارة الغرفة، مما يربط بين إرث دبي التجاري في قطاع الألماس ومستقبلها في أشباه الموصلات والتقنيات الكمية.
التكامل بين أبوظبي ودبي
تتمتع دولة الإمارات بموقع استراتيجي في هذا السباق؛ حيث توفر أبوظبي قاعدة بحثية متقدمة عبر “معهد الابتكار التقني” الذي أطلق منصة “منارات” وأتاح الوصول السحابي لمعالجاته، بالإضافة إلى مشروعه لإنشاء شبكة اتصالات كمية من الفضاء إلى الأرض بالتعاون مع “Space42”. وفي المقابل، توفر دبي البوابة التجارية التي تتيح لمزودي التقنية والمستثمرين بيئة موثوقة للالتقاء والتطوير.
ويظل الأمن السيبراني المحرك الأهم للتحرك العاجل؛ فمع اعتماد المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في الولايات المتحدة لمعايير “التشفير ما بعد الكمي” في أغسطس 2024، بات لزاماً على الجهات التي تتعامل مع بيانات حساسة أو عمليات مالية مراجعة منظومتها الأمنية، لأن البيانات التي يتم اعتراضها اليوم قد تصبح عرضة لفك التشفير مع تطور الحواسيب الكمية في المستقبل القريب.






