يشهد القطاع المالي العالمي تحولاً جذرياً في استراتيجيات التوظيف، حيث تصدرت مهارة “تنسيق الوكلاء” (Agent Orchestration) قائمة المهارات التقنية الأكثر طلباً هذا العام، مسجلة قفزة قياسية بلغت 1721 بالمئة. يأتي هذا التوجه في إطار سعي البنوك الكبرى، مثل “جي بي مورغان تشيس” و”سيتي غروب” و”كابيتال وان”، إلى تعزيز بنيتها التحتية التقنية عبر الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً.
ووفقاً لتحليل أجرته شركة “Draup” المتخصصة في بيانات التوظيف المؤسسي، ارتفعت إعلانات الوظائف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في البنوك بنسبة 49 بالمئة مقارنة بعام 2025، لتصل إلى 139,819 إعلاناً. وتكشف هذه البيانات أن المؤسسات المالية تجاوزت مرحلة روبوتات المحادثة التقليدية، لتنتقل إلى مرحلة دمج الأنظمة الذكية مباشرة في خطوط الأعمال التشغيلية، مع التركيز على توظيف كوادر قادرة على إدارة وتنسيق هذه الأدوات.
ما هي مهارة “تنسيق الوكلاء”؟
تتمحور مهارة “تنسيق الوكلاء” حول القدرة على تنظيم عمل مجموعة من أنظمة الذكاء الاصطناعي المتخصصة، حيث يتولى كل نظام جزءاً محدداً من المهمة، ليعمل “المنسق” على الربط بينها وجمع مخرجاتها للوصول إلى النتيجة النهائية. ويشبه الخبراء هذا الدور بـ “المايسترو” في فرقة أوركسترا، الذي يوجه العازفين (الأنظمة) ويضبط إيقاعهم لضمان أداء متناغم وعالي الكفاءة.
وفي هذا السياق، أوضح المطور التكنولوجي هشام الناطور أن اكتساب هذه المهارة يتطلب خلفية في علوم الحاسوب أو تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب تعلم لغات البرمجة كـ “بايثون” والتدرب على تصميم مسارات عمل آلية عبر مشاريع عملية. كما تبرز أدوات أخرى كـ “LangGraph” و”LlamaIndex” وتقنية “التوليد المعزز بالاسترجاع” (RAG) كركائز أساسية شهدت هي الأخرى نمواً كبيراً في الطلب يتراوح بين 259 و679 بالمئة.
رواتب مجزية وتحديات تشغيلية
تشير البيانات إلى أن الأدوار الوظيفية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء الذكيين تحظى برواتب مرتفعة، حيث يبلغ متوسط الراتب الأساسي لمديري هذه المشاريع حوالي 190 ألف دولار سنوياً. وبالتوازي مع هذا التوسع التقني، تصاعد الاهتمام بـ “الذكاء الاصطناعي المسؤول” وحوكمته، حيث قفزت إعلانات الوظائف المرتبطة بضوابط الحماية وإدارة المخاطر بنسب لافتة، في مسعى لتعزيز الأمن السيبراني ومنع استغلال ثغرات الأنظمة.
ويشير فيجاي سواميناثان، الرئيس التنفيذي لشركة “Draup”، إلى أن التحدي لا يقتصر على المهارات التقنية فحسب، بل يمتد ليشمل “المهارات الناعمة” كالتفكير الإبداعي والقدرة على حل المشكلات المعقدة. وهو ما يدفع البنوك حالياً للاستثمار بكثافة في برامج التدريب وإعادة التأهيل الداخلي لسد الفجوة في الكفاءات المتخصصة.
من جانبه، يؤكد المحلل الاقتصادي والمصرفي محمد أبو الحسن أن هذا التحول سيعيد صياغة بيئة العمل داخل المؤسسات المالية؛ فبدلاً من التنقل بين أنظمة متعددة، سيتفرغ الموظفون لمراجعة نتائج الأنظمة الذكية والتعامل مع الحالات التي تتطلب حكماً بشرياً. وشدد أبو الحسن على أن النجاح في هذا العصر المصرفي الجديد لن يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على قدرة المؤسسات على تحقيق التوازن الدقيق بين سرعة الأتمتة وبين الحفاظ على الدقة والمساءلة والخبرة البشرية.






