تتجاوز جاذبية دولة الإمارات كوجهة استثمارية عالمية حدود المشاريع الضخمة والحوافز الضريبية، لتصل إلى مستوى استراتيجي يعتمد على ترسيخ الثقة في منظومتها الاقتصادية الشفافة، وقدرتها الفائقة على تحويل الخطط إلى إنجازات ملموسة. وفي ظل متغيرات الاقتصاد العالمي، باتت “الثقة” ركيزة أساسية لا تقل أهمية عن رأس المال، مما يعزز مكانة الدولة كمنصة للنمو والابتكار المستدام.
ميزة التنفيذ.. المحرك الاستراتيجي
يرى خبراء واقتصاديون أن سر تفوق الاقتصاد الإماراتي يكمن في “ميزة التنفيذ”؛ وهي القدرة على تقليص الفجوة بين صناعة السياسات وتطبيقها على أرض الواقع، مما يوفر على المستثمرين تكاليف الوقت والتعقيدات الإجرائية. وقد تجسد ذلك في تصدر الإمارات مراتب متقدمة عالمياً؛ حيث احتلت المرتبة الخامسة بين 70 اقتصاداً في تصنيف التنافسية العالمية لعام 2026، والمرتبة التاسعة في التنافسية الرقمية لعام 2025 وفقاً لـ “المعهد الدولي للتنمية الإدارية”.
يؤكد توماس كوروفيلا، الشريك الإداري لدى «آرثر دي ليتل» في الشرق الأوسط والهند، أن الإمارات تعاملت مع مؤسساتها كبنية أساسية قابلة للتطوير، عبر التحول الرقمي وتبسيط قوانين الملكية الأجنبية والإقامة طويلة الأمد. ويوضح كوروفيلا أن المرحلة المقبلة ستنتقل بالدولة نحو معايير نوعية تركز على البحث والتطوير، وتوليد الملكية الفكرية، واستقطاب “رأس المال النشط” الذي يبني قيمة اقتصادية مستدامة.
المؤشرات العقارية وقطاعات النمو
تعكس البيانات العقارية هذا الزخم الدولي، حيث سجلت استثمارات العقارات الأجنبية في دبي 148.35 مليار درهم في الربع الأول من 2026، بنمو سنوي قدره 26%. ويشير بيتر ماثيوز، الرئيس التنفيذي لمجموعة «سنشري 21» في الإمارات والهند، إلى أن المستثمرين يجدون في الإمارات بيئة تتسم بالاستقرار والأمان، وهو ما دفع شركات عالمية لاعتماد الدولة مقراً رئيسياً للتوسع، مدعومة بمبادرات استراتيجية مثل استراتيجية دبي للقطاع العقاري 2033.
الاستثمار في الرعاية الصحية والتقنية
من جانبه، يرى شون كوستيلو، رئيس تطوير الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا لدى «أسبن»، أن الثقة تُقاس بالتزام الشركات بتأسيس عمليات تشغيلية طويلة الأمد. ويضيف أن الإمارات نجحت في مواءمة الأطر التنظيمية مع متطلبات الأعمال، مما جعلها وجهة جاذبة للشركات في قطاعات حيوية كالرعاية الصحية، مؤكداً أن الدولة توفر بيئة تتيح للشركات الصغيرة أيضاً فرصاً للنمو والمنافسة العالمية.
وفي قطاع الاقتصاد الرقمي، يشير إسكندر نجار، الرئيس التنفيذي لمجموعة «إكويتي»، إلى أن البيئة التنظيمية المتقدمة، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي، مكنت من ربط مراكز التمويل العالمية مثل وادي السيليكون بالمنطقة، ما يتيح تطوير حلول مبتكرة بمعايير عالمية. ويؤيد ذلك سابيا سين، نائب الرئيس في «ألتيريكس»، مؤكداً أن البنية التحتية الرقمية والقوانين مثل قانون حماية البيانات الشخصية تعزز ثقة الشركات في اتخاذ قراراتها بناءً على بيانات موثوقة.
تكامل التشريعات والنمو المؤسسي
أكد عبدالله الإبياري، العضو المنتدب لخدمات الاستشارات السيادية في «ألفاريز آند مارسال»، أن تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر الذي بلغ 48.3 مليار دولار خلال عام 2025، يعكس مرونة السياسات الإماراتية. كما أشار إلى أن نمو الشركات العائلية في مركز دبي المالي العالمي بنسبة 36% في النصف الأول من 2026، يبرز ثقة المستثمرين في أطر حوكمة الشركات والتخطيط للتعاقب. ويضيف محمد علي ياسين، الرئيس التنفيذي لشركة «مزايا الغاف» من «لونيت»، أن الإمارات أصبحت ملاذاً آمناً عالمياً بفضل الانفتاح الاقتصادي وحرية حركة رؤوس الأموال.
وفي سياق متصل، أشاد تاتسويا سوزوكي، الرئيس التنفيذي لشركة «كاسوميغاسيكي للتطوير العقاري»، بوضوح وشفافية التشريعات الإماراتية، بينما اعتبر ديباك سيلفاراج، مدير التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي في «نكست جين»، أن ريادة الدولة في استخدام الذكاء الاصطناعي -بمعدل انتشار تجاوز 70% بين السكان في سن العمل- يمثل دليلاً قاطعاً على حداثة النظام الاقتصادي الإماراتي وقدرته على التجدد لمواكبة المستقبل.






