يشهد سوق الأصول المالية حالة من التباين الحاد بين الذهب والعملات الرقمية، حيث يواجه المعدن الأصفر ضغوطاً تصحيحية قاسية تزامناً مع قفزات نوعية في أسعار “البيتكوين”، وسط انقسام في رؤى المؤسسات المصرفية العالمية حول وجهة هذه الأصول في المدى القريب.

مفترق طرق للذهب: بين ضغوط المدى القصير وآفاق التعافي

تعرض الذهب لضغوط بيعية واسعة أفقدته نحو 1450 دولاراً من قيمته مقارنة بذروته السابقة خلال العام، لينخفض من 5600 دولار للأونصة إلى مستويات تقارب 4150 دولاراً. وفي هذا السياق، يبدي عمرو عبده، الشريك المؤسس لأكاديمية “ماركت تريدر”، رؤية تجمع بين الحذر قصير الأجل والتفاؤل الاستراتيجي، مشيراً إلى أن الذهب يمر بمرحلة “اعتلال” لا “موت”، مستشهداً بتاريخ المعدن الذي تعرض لانخفاضات مماثلة في العقود الماضية قبل أن يعاود الصعود.

وتتوزع توقعات البنوك العالمية بين التشاؤم الذي يتبناه “بنك أوف أميركا” و”يو بي إس”، اللذان يشككان في قدرة الذهب على الصمود فوق حاجز 4000 دولار، وبين تفاؤل “إتش إس بي سي” و”مورغان ستانلي” اللذين يرجحان استقراره قرب 4500 دولار. ورغم هذا التباين، هناك إجماع على النظرة الإيجابية بعيدة المدى، حيث يُتوقع عودة الأونصة إلى مستوى 5000 دولار العام المقبل، مدعومة بمشتريات البنوك المركزية والمخاوف الجيوسياسية وتراكم الديون الحكومية.

محركات السوق: التضخم، الفائدة، وسلوك البنوك المركزية

يوضح عبده أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية – بنحو 4.7% لسندات السنتين و5% لسندات العشر سنوات – يسحب السيولة من الذهب، مما يجعله تحت ضغط إضافي. ويحذر من سيناريو استمرار التضخم الذي قد يدفع البنوك المركزية لمزيد من رفع الفائدة، وهو ما قد يكسر مستوى 4000 دولار النفسي للذهب، مؤكداً أن كسر هذا الحاجز سيجعل مهمة التعافي صعبة خلال الأشهر الستة القادمة.

وعلى صعيد المعروض، يشير عبده إلى توجه بعض البنوك المركزية لتسييل احتياطياتها لدعم عملاتها المحلية، مقتدية بالبنك المركزي الروسي الذي باع نحو 62 طناً من الذهب، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على الأسعار حتى منتصف عام 2027.

استراتيجية الاستثمار والذهب الرقمي

رغم التحديات، يوصي عبده بالشراء المتدرج، معتبراً أن مستويات 4100 دولار تعد منطقة دعم فني معتبرة. كما يسلط الضوء على “الذهب الرقمي” (Tokenized Gold) كأداة استثمارية متنامية تجذب المستثمرين الشباب، مشيراً إلى وجود أنظمة متكاملة ومراقبة لتداول الذهب في الإمارات، تعزز من جاذبية هذا النوع من الأصول المدعومة فعلياً بذهب مخزن.

البيتكوين: قفزة تاريخية وانقلاب في مواقف المصارف

في المقابل، سجلت “البيتكوين” أداءً لافتاً بإضافة أكثر من 24 ألف دولار لقيمتها في أقل من أربعة أشهر. ويعزو عبده هذا الصعود إلى تسييل مراكز البيع على المكشوف وعودة السيولة التي كانت مخصصة لشركات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى نضج النظام المالي المرتبط بالعملات المشفرة.

وتعكس توقعات المؤسسات المالية تحولاً جذرياً؛ إذ يرى “ستاندرد تشارترد” أن العملة ستصل إلى 100 ألف دولار هذا العام، بينما يتوقع “بيرنشتاين” وصولها إلى 150 ألفاً بحلول عام 2027. والمفارقة الأبرز جاءت من “جي بي مورغان”، الذي توقع بلوغها 207 آلاف دولار على المدى الطويل، رغم أن رئيسه جيمي دايمون وصفها سابقاً بـ”عملة الاحتيال”. ويختتم عبده توقعاته بأن تقترب البيتكوين من 90 ألف دولار بنهاية العام، مع إمكانية وصولها إلى 175 ألف دولار بحلول نهاية العام المقبل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version