يواجه السودان خطراً داهماً يتمثل في مجاعة وشيكة، في ظل تحذيرات دولية متصاعدة تدفع بالأزمة الإنسانية إلى صدارة الأجندة الدبلوماسية، بينما تصر قيادة الجيش السوداني برئاسة عبد الفتاح البرهان على خيار الحسم العسكري، متمسكة باشتراطات مسبقة تعطل فرص التهدئة، وسط معاناة ملايين المدنيين الذين أنهكتهم الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
تحذير دولي وتنديد بالمعاناة الإنسانية
أصدرت مجموعة من الدول، تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وأستراليا، إضافة إلى مسؤولين أوروبيين، بياناً مشتركاً حذرت فيه من التدهور الحاد في حالة الأمن الغذائي في السودان. وطالبت هذه الدول طرفي النزاع بتحمل المسؤولية الكاملة في تخفيف معاناة المدنيين، مشددة على ضرورة فتح طرق الإغاثة عبر الحدود وخطوط القتال، وتسهيل الوصول الجوي إلى إقليم دارفور، مع توفير الحماية للعاملين في المجال الإنساني والبنية التحتية المدنية.
أرقام مفزعة وتوقعات قاتمة
تشير البيانات إلى أن نحو 19.5 مليون سوداني يعانون من مستويات متقدمة من انعدام الأمن الغذائي، منهم أكثر من 5 ملايين في مرحلة الطوارئ. وتتوقع منظومة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي اتساع رقعة المجاعة قريباً، خاصة مع التداخل القاتل بين آثار الحرب -التي دمرت الأسواق وعطلت الزراعة وقطعت طرق الإمداد- وبين الجفاف الناتج عن ظاهرة “النينيو”. وتقدّر تقارير برنامج الأغذية العالمي أن يؤدي الجفاف إلى انزلاق مئات الآلاف نحو الجوع الشديد، في وقت يعاني فيه العمل الإنساني من نقص التمويل وضعف الوصول للمتضررين.
الهدنة رهينة الشروط العسكرية
تتعثر المقترحات الدولية، وفي مقدمتها المقترح الأميركي الداعي لهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، بسبب تمسك قيادة الجيش بضرورة انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي سيطرت عليها منذ مايو 2023 قبل الشروع في أي تفاوض. هذا الموقف يحوّل الهدنة من ضرورة عاجلة لإنقاذ الأرواح إلى “مكافأة” مشروطة بتحقيق أهداف عسكرية. ومن جانبهما، يتبادل طرفا النزاع الاتهامات بالانتهاكات، حيث واجهت قوات الدعم السريع اتهامات أممية بالقتل الجماعي والتجويع في دارفور، بينما طالت قيادة الجيش اتهامات بارتكاب جرائم حرب، وهو ما ينفيه الجانبان.
نفوذ الحركة الإسلامية ومآلات الحرب
يزيد من تعقيد المشهد التقارير التي تتحدث عن تنامي نفوذ شبكات الحركة الإسلامية والنظام السابق داخل مؤسسات الجيش وسلطة بورتسودان. ورغم نفي الجيش لوجود تحالف رسمي، تؤكد شهادات ومعطيات ميدانية مشاركة مقاتلي هذه الشبكات في العمليات العسكرية، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول أهداف الحرب؛ إذ يرى مراقبون أن الصراع يتجاوز كونه مواجهة عسكرية، ليصبح محاولة من قوى النظام السابق لإجهاض التحول الديمقراطي واستعادة نفوذها.
المجاعة: قرار سياسي لا كارثة طبيعية
يضع البيان الدولي سلطة بورتسودان في مواجهة مباشرة مع التزاماتها كـ”ممثل للدولة”، حيث لم تعد المجاعة في السودان ظاهرة طبيعية بل نتيجة مباشرة لاستمرار القتال وإغلاق المعابر وقصف الأسواق. وبينما تستمر قيادة الجيش في الرهان على الحسم العسكري، يظل المدنيون يدفعون ثمن هذا الخيار من أمنهم وغذائهم، ما يعزز القناعة بأن استعادة السلطة قد باتت في أجندة بعض الأطراف أكثر أولوية من الحفاظ على حياة السودانيين.




