توصلت دراسة علمية حديثة إلى وجود “بصمة كيميائية” في الدم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى التزام الأفراد بالنظام الغذائي المتوسطي، مشيرة إلى أن هذه البصمة يمكنها التنبؤ بمخاطر الوفاة على المدى الطويل، مما يفتح آفاقاً جديدة في تقييم الحالة الصحية بعيداً عن الاستبيانات الغذائية التقليدية.
شملت الدراسة التي نُشرت نتائجها في “المجلة العلمية الأميركية للتغذية السريرية” أكثر من 14 ألف مشارك من إسبانيا والولايات المتحدة، بمشاركة باحثين من “جامعة نافارا” الإسبانية وكلية “تي إتش تشان للصحة العامة” في جامعة “هارفارد”. وقد أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين سجلوا درجات أعلى في هذه البصمة الدموية كانوا أقل عرضة للوفاة خلال فترات المتابعة التي استمرت لسنوات طويلة.
كيف يكشف الدم عن خبايا الغذاء؟
يعتمد النظام الغذائي المتوسطي على التركيز على الخضراوات، الفواكه، البقوليات، المكسرات، والأسماك، مع تقليل اللحوم الحمراء والمصنعة. ولطالما اعتمد الباحثون على استبيانات يقدمها المشاركون لتقييم التزامهم بهذا النظام، إلا أن خبيرة علم الأوبئة في جامعة نافارا، إستيفانيا توليدو، أوضحت أن هذه الطريقة تفتقر إلى الدقة بسبب اعتمادها على ذاكرة الأفراد.
في المقابل، تعتمد “البصمة الكيميائية” على رصد “المستقلبات”؛ وهي جزيئات صغيرة ينتجها الجسم عند معالجة الغذاء، وتحمل معلومات دقيقة حول نوعية الأطعمة المستهلكة وكيفية استجابة الجسم لها. ركزت الدراسة على نمط يتكون من 67 مستقلاً، أغلبها من الدهون، والتي تعكس عناصر أساسية في النظام المتوسطي، مثل زيت الزيتون والأحماض الدهنية الموجودة في الأسماك والمكسرات.
نتائج ممتدة عبر عقدين
في تجربة “بريديميد” الإسبانية، تتبع الباحثون 1880 مشاركاً من كبار السن المعرضين لمخاطر الإصابة بأمراض القلب لمدة 13 عاماً. وتبيّن أن أصحاب درجات البصمة الكيميائية في الثلث الأعلى انخفض لديهم خطر الوفاة بنسبة 23 بالمئة مقارنة بغيرهم. وتطابقت هذه النتائج مع دراسة أميركية شملت 12704 مشاركين على مدار 25 عاماً، حيث سُجل الانخفاض نفسه في معدلات الوفاة لمن يمتلكون بصمة كيميائية أفضل.
وأكدت توليدو أن هذه البصمة قد تكشف أيضاً عن الفروق الفردية في التمثيل الغذائي وقدرة الجسم على امتصاص العناصر الغذائية، مما يفسر اختلاف الاستجابة الصحية بين شخص وآخر حتى مع اتباع النظام الغذائي نفسه.
قيود وتحديات
رغم هذه النتائج، شدد الباحثون على أن الاختبار لا يمكنه تحديد العمر المتوقع لأي شخص بعينه، بل يشير إلى مستويات الخطر ضمن المجموعات. كما أن هذه الدراسة رصدية، مما يعني أنها لا تجزم بأن تحسين البصمة الكيميائية عبر الغذاء سيؤدي حتماً إلى إطالة العمر.
ولكي يتم اعتماد هذا الاختبار بشكل روتيني في العيادات، يرى العلماء ضرورة إجراء مزيد من الدراسات على فئات سكانية أكثر تنوعاً من حيث العرق والأعمار والخلفيات الصحية، بالإضافة إلى التأكد من أن هذه البصمة تقدم قيمة تنبؤية إضافية تفوق ما توفره عوامل الخطر التقليدية المعروفة حالياً.




