تخطو العلاقات اللبنانية السورية نحو مرحلة جديدة من التنسيق، حيث يبرز ملف عودة اللاجئين السوريين كأولوية قصوى لبيروت، في مقابل تركيز دمشق على تأمين الحدود وضبط عمليات التهريب والتسلل. ويرى مراقبون أن نجاح هذا التقارب يتوقف على خطوات متدرجة تعكس حجم التفاهم الأمني والقضائي بين الجانبين وقدرة دمشق على استيعاب العائدين.
تحديات العودة والضغط الخدمي
يواجه ملف عودة نحو مليون لاجئ سوري يقيمون في لبنان صعوبات بنيوية؛ إذ يرى الباحث والكاتب السياسي بسام سليمان أن العودة الطوعية تصطدم بواقع سوري يعاني من تداعيات الحرب، ونقص حاد في المساكن، وخدمات عامة لا تكفي حتى المقيمين في الداخل حالياً. ويشير سليمان إلى أن أزمة السكن وارتفاع الإيجارات في سوريا، الناجمين عن الدمار وتوقف قطاع البناء لسنوات، تجعل من العودة عملية معقدة تتجاوز مجرد ترتيبات العبور، وتتطلب توفير سبل العيش والتعليم، خاصة مع تأخر بدء عمليات إعادة الإعمار الواسعة.
أمن الحدود وملفات التهريب
على الجانب الآخر، تضع دمشق ملف أمن الحدود على رأس أولوياتها، مدفوعةً بمخاوف أمنية تتعلق بتهريب المخدرات وتسلل مجموعات من “بقايا النظام السابق”. كما يبرز قلق مشترك بين بيروت ودمشق من محاولات إيران تزويد “حزب الله” بالأسلحة عبر الأراضي السورية، وهو ما دفع الطرفين إلى تكثيف التنسيق الأمني لمواجهة هذه المسارات، وسط اتهامات للحزب بممارسة أنشطة تزيد من تعقيد المشهد الأمني في سوريا وتفعّل شبكات تهريب المخدرات كأحد مصادر تمويله.
المفقودون والموقوفون: إرث ثقيل
لا تزال قضية المفقودين والمعتقلين تشكل ملفاً شائكاً، حيث يصفها سليمان بأنها من إرث نظام الأسد، مشيراً إلى أن معالجتها تتطلب تعاوناً دولياً وخبرات واسعة نظراً للأساليب التي اتُبعت سابقاً لإخفاء الجرائم. ويقدر عدد المفقودين بنحو 150 ألف سوري إضافة إلى مئات اللبنانيين. أما فيما يخص ملف المحكومين والموقوفين، فقد أشار إلى وجود تقدم في إجراءات نقل المحكومين من لبنان، بينما يخضع ملف الموقوفين وضباط النظام السابق لتفاهمات أمنية وقضائية وسياسية تتقدم بوتيرة تدريجية.
تأثير الدور الإقليمي على التنسيق
تشير القراءات إلى أن دمشق تنظر إلى لبنان كبلد شقيق في مواجهة الهجمات الإسرائيلية، إلا أن ارتباط “حزب الله” بإيران وتدخله العسكري السابق في سوريا يضعان عثرات أمام التضامن الكامل بين الدولتين. ويخلص سليمان إلى أن هذه الإشكاليات تفرض ضرورة استمرار التنسيق الأمني بين البلدين للحد من نفوذ الحزب وأنشطته، مؤكداً أن نجاح هذه العلاقات يعتمد على مدى قدرة الطرفين على تحويل التقارب السياسي إلى إجراءات عملية وملموسة.




