في خطوة تعكس توظيف التكنولوجيا الحديثة في تعزيز الخطاب الديني الوسطي، افتتح رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي مركزاً للذكاء الاصطناعي بوزارة الأوقاف، معلناً عن تجربة رائدة تهدف إلى استخدام “الداعية الافتراضي” لمخاطبة الأجيال الجديدة وتحصينهم ضد الفكر المتطرف.
وتأتي هذه المبادرة لتفتح نقاشاً حول آليات تحديث أساليب الدعوة في العصر الرقمي، مع التأكيد على ضرورة التوازن بين مواكبة التطور التقني والالتزام بالثوابت الشرعية وعدم استبدال دور العلماء والدعاة الحقيقيين.
تجديد الخطاب لا تبديل الثوابت
أكد محمود طعيمة، مدير فريق الذكاء الاصطناعي بوزارة الأوقاف، أن استثمار التكنولوجيا يهدف إلى “تجديد الخطاب الديني” عبر تطوير أدوات التواصل ليكون أكثر فاعلية، مع الحفاظ الكامل على جوهر العقيدة وثوابت الدين. وأوضح أن الاستراتيجية تعتمد على ثلاثة محاور: أصالة المضمون، ومعاصرة الوسيلة، وفاعلية التأثير، وذلك من خلال تنويع المحتوى الديني ليلائم مختلف أنماط التلقي لدى الجمهور.
وأشار طعيمة إلى إطلاق برنامج “صنع الله”، الذي يضم 100 فيديو توعوي وتعليمي، مصممة بأدوات مرئية جاذبة تستهدف فئة الأطفال والشباب عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل، لتوفير بديل آمن وموثوق يحميهم من المحتوى المشبوه المنتشر في الفضاء الرقمي.
نظام مراجعة رباعي لضمان الدقة
ولمواجهة المخاوف المتعلقة بأخطاء المحتوى الرقمي، فرضت الوزارة منظومة مراجعة دقيقة تمر بأربع مراحل متخصصة، تشمل المراجعة اللغوية والفنية والعلمية والشرعية. وأوضح طعيمة أن المحتوى لا يُعتمد للنشر إلا بعد موافقة لجنة المراجعة الشرعية على النصوص والأحاديث، لضمان مواءمة المنتج النهائي مع السياق الديني القويم، مع إتاحة التعديل الفوري لأي مادة تظهر بها ملاحظات.
التفاعل التقني وأفق الذكاء الاصطناعي
من جانبها، أوضحت رحاب الرحماوي، أستاذة الذكاء الاصطناعي بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن التطور التقني تجاوز مجرد عرض فيديوهات مسجلة، ليصل إلى شخصيات رقمية قادرة على التفاعل اللحظي مع الجمهور باستخدام نماذج اللغة الكبيرة.
وحذرت الرحماوي من الخلط بين المحاكاة الرقمية وبين الأهلية الشرعية، مؤكدة أن المظهر التكنولوجي لا يغني عن المسؤولية الأخلاقية والعلمية. وأوصت بأن يقتصر دور الذكاء الاصطناعي في المجال الديني على كونه “مساعداً ذكياً” يقدم المعلومات بأسلوب مبسط مع الإحالة للمراجع الأصلية، تحت إشراف دائم من العلماء، معتبرة أن المسائل الاجتهادية والفتوى الشخصية تظل من اختصاص الفقهاء حصراً.
وفي الختام، شدد الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي يظل أداة تقنية قادرة على محاكاة أساليب الخطاب، لكنه يفتقر إلى البعد الإنساني والمسؤولية الشرعية التي يحملها الداعية المتخصص، مما يجعل الرقابة البشرية صمام الأمان الوحيد في هذه التجربة الطموحة.






