فرضت الحكومة الأسترالية عقوبات مالية وحظر سفر على أربعة من الشخصيات والكيانات السودانية، في خطوة تأتي رداً على تصاعد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان واستمرار الأزمة الإنسانية الناجمة عن الحرب الدائرة في السودان.
وأعلنت وزيرة الخارجية الأسترالية، بيني وونغ، أن قائمة العقوبات شملت كلاً من رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، بالإضافة إلى القياديين في قوات الدعم السريع التجاني الطاهر كرشوم وحسين برشم، إلى جانب “كتيبة البراء بن مالك”.
رسائل سياسية وتوصيف قانوني
تحمل هذه العقوبات دلالات سياسية بالغة الأهمية، لاسيما إدراج “كتيبة البراء بن مالك” في قائمة واحدة مع البرهان، حيث وصفها التشريع الأسترالي بكونها “قوة شبه عسكرية متحالفة مع القوات المسلحة السودانية”. ينسف هذا التوصيف القانوني الرواية الرسمية لقيادة الجيش التي تنفي وجود علاقة مؤسسية أو خضوعاً لتأثير الحركة الإسلامية، إذ تتعامل كانبيرا مع الكتيبة كجزء لا يتجزأ من المجهود الحربي للجيش.
وبموجب هذه القرارات، يُحظر على الأفراد والكيانات المعاقبة دخول أستراليا أو البقاء فيها، كما تمنع اللوائح أي تعاملات مالية أو اقتصادية مع الأصول التي يسيطرون عليها، مع فرض عقوبات قانونية مشددة تشمل السجن والغرامات المالية في حال خرق هذه القيود.
تنامي العزلة الدولية
يأتي التحرك الأسترالي في سياق دولي متزايد ضد “كتيبة البراء بن مالك”، التي سبقتها إليها عقوبات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وتشير تقارير وزارة الخزانة الأميركية إلى أن الكتيبة تعد مليشيا إسلامية ذات جذور تعود إلى “قوات الدفاع الشعبي” التابعة لنظام عمر البشير، وتتهمها بتقديم آلاف المقاتلين لدعم الجيش، فضلاً عن تورطها في انتهاكات ميدانية تشمل التعذيب والإعدامات.
كما كشفت التحقيقات الدولية عن دور الكتيبة كجسر لعودة شبكات الحركة الإسلامية إلى مفاصل الدولة والجيش بعد سقوط نظام البشير، حيث ساهمت في تأمين التمويل والسلاح وتدريب المستنفرين، وهو ما يفسر وفق مراقبين تشدد القوى الإسلامية في رفض أي تسوية سياسية لا تضمن استعادة نفوذها.
سقوط رواية “الحكومة الشرعية”
يضع هذا القرار سلطة بورتسودان في مأزق سياسي جديد؛ إذ يصعب عليها الاستمرار في الترويج للجيش كـ “مؤسسة وطنية” خالصة، في ظل إدراج قيادته وتحالفاته العسكرية في قائمة واحدة مع كيانات مسلحة تخضع لعقوبات دولية. إن القوة التي تتدرب وتنسق عملياتها من داخل المقرات الأمنية والعسكرية للجيش لا يمكن فصلها عن التزاماته ومسؤولياته.
وفي محاولة لتفادي الإضرار بالمدنيين، أصدرت أستراليا تصريحاً عاماً يسمح باستمرار الأنشطة الإنسانية، مؤكدة أن إجراءاتها تستهدف القيادات والشبكات المسلحة المتورطة في العنف. وبذلك، تشير الرسالة الأسترالية إلى أن التمسك بهذا التحالف مع الإسلاميين لن يؤدي إلا إلى تعميق عزلة المؤسسة العسكرية ووضعها في مواجهة مع المجتمع الدولي، بدلاً من استعادة استقرار الدولة.




