يعد «بيت الحكمة» في الشارقة نموذجاً استثنائياً لمكتبات المستقبل، حيث يمزج بين التراث المعرفي والتصميم المعماري المستدام، ليكون بمثابة وجهة ثقافية متكاملة تربط بين الأصالة والحداثة في قلب الإمارة.
تأسس هذا الصرح الثقافي في ديسمبر 2020 بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، احتفاءً باختيار الشارقة عاصمة عالمية للكتاب لعام 2019 من قبل منظمة اليونسكو. ويشغل المبنى مساحة تمتد لنحو 12 ألف متر مربع، ويتميز بتصميمه الزجاجي وسقفه المعدني البارز، محاطاً بحدائق منسقة تضم 331 شجرة من 12 نوعاً مختلفاً.
تحفة معمارية وكنز معرفي
يحتوي البيت على ما يزيد على 300 ألف عنوان في مختلف حقول المعرفة، موزعة بين 105 آلاف كتاب ورقي ونحو 250 ألف كتاب إلكتروني. وقد تولت شركة «فوستر آند بارتنرز» تنفيذ التصميم المعماري الذي يركز على الاستفادة من الضوء الطبيعي وتوفير مساحات مرنة تلبي احتياجات مختلف فئات المجتمع من أطفال وشباب وسيدات وكبار السن.
تتجاوز وظيفة البيت دور المكتبة التقليدي، لتصبح فضاءً اجتماعياً تفاعلياً، يضم تقنيات حديثة مثل «اسبريسو الكتب» للطباعة السريعة، بالإضافة إلى «مخبر الجزري» المجهز بأدوات متطورة كالطابعات ثلاثية الأبعاد وقواطع الليزر، والذي سُمي تيمناً بالعالم بديع الزمان الجزري تقديراً لإسهاماته العلمية.
نصب المخطوطة ورمزية المكان
أمام بوابة بيت الحكمة، يقف «نصب المخطوطة» كعمل فني هندسي معاصر صممه الفنان جيري جودا، بارتفاع 36 متراً. صُنع النصب من 72 طناً من الفولاذ و240 طناً من الخرسانة، ليجسد ارتباط الماضي بالحاضر ويرمز إلى القيمة الجوهرية للمعرفة والكتب.
يضم المبنى 15 قاعة وردهة وساحة موزعة على طابقين، تحمل أسماء تاريخية مثل «قاعة الرشيد»، و«معرض المأمون»، و«مكتبة الجرهمي»، و«صالة ابن دريد للقراءة». كما توفر قاعة الفعاليات مساحة مرنة تستوعب نحو 300 زائر، مما يدعم دور البيت في تعزيز الروابط المجتمعية والقيم الثقافية المشتركة.
استدامة الثقافة
يستحضر «بيت الحكمة» اليوم إرث المؤسسة المعرفية التاريخية التي حملت الاسم ذاته في بغداد إبان العصر العباسي، ليكون امتداداً لمشروع ثقافي يهدف إلى التمكين المعرفي. ولا ينحصر دور هذا الصرح في حفظ الكتب، بل يسعى إلى بناء «رأس مال اجتماعي» عبر ممارسات ثقافية تجمع أفراد المجتمع وتسهل التعاون والتنمية الفكرية في بيئة علمية متطورة.






