واعتمدت الحكومة المغربية منذ عام 2018 توقيت “غرينتش +1” كتوقيت رسمي دائم، مع استثناء شهر رمضان، بهدف مواءمة التوقيت مع الشركاء الأوروبيين لتسهيل المعاملات الاقتصادية والتجارية والتنسيق المؤسساتي، إلى جانب الاقتصاد في استهلاك الطاقة.
منذ نهاية شهر مارس وبداية أبريل الجاري، استحوذت الساعة الإضافية على جزء كبير من النقاش العمومي في المغرب، بين من يراها مجرد إجراء يخدم الفاعلين الاقتصاديين لا يخدم مصالح سائر فئات المجتمع، ومن يراها خطوة ضرورية لتطوير الاقتصاد واقتصاد الطاقة.
وفي هذا السياق، ظهرت عدة مبادرات قانونية لجمع توقيعات المواطنين لرفع عريضة إلى الحكومة من أجل إلغاء الساعة الإضافية والعودة إلى توقيت غرينتش العادي، وتفاعل المواطنون مع هذه المبادرة خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحصدت آلاف التوقيعات.
وتعزز هذا الزخم خاصة بعد ظهور دراسات تؤكد أن الأثر الاقتصادي للساعة الإضافية “ضئيل”، وبالمقابل تؤثر بشكل سلبي على حياة عموم الناس.
وتوسع نطاق النقاش ووصل إلى البرلمان، وأقرت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، في جلسة أمام مجلس النواب في الأسابيع الماضية، أن المعطيات الأولية المتوفرة تشير إلى أن اعتماد الساعة الإضافية في فصل الشتاء لا يحقق نفس المكاسب المسجلة خلال فصل الصيف على مستوى ترشيد استهلاك الطاقة، مؤكدة أنه لا يوجد أي انخفاض فعلي وملموس في الطلب الإجمالي على الكهرباء.
وأشارت الوزيرة إلى وجود تعقيدات في تقييم الآثار الحقيقية للساعة الإضافية، خاصة بعد تطور سلوك المستهلكين والفاعلين الاقتصاديين، إلى جانب التحولات التي عرفها قطاع توزيع الكهرباء.
ومن جهتها، أكدت وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، في جلسة أمام النواب الأسبوع الماضي، أن تقييم آثار الساعة الإضافية معقد، مؤكدة أن مختلف القطاعات الحكومية تتعامل مع الساعة القانونية وفق مقاربة مؤسساتية تقضي باحترام القوانين وتغليب المصلحة العامة.
وانقسم الخبراء والفاعلون الذين تحدثت معهم “سكاي نيوز عربية” بين مؤيد لفكرة إلغاء الساعة الإضافية والعودة إلى توقيت غرينتش الذي يتناسب مع الإيقاع الطبيعي للجسم، وبين من يراها قرارا سياديا جيوسياسيا يتجاوز المصالح الفئوية.
دراسة تكشف سلبيات الساعة الإضافية
وخلال الأشهر الماضية، أنجزت العديد من الدراسات والتقارير حول أثر هذه الساعة الإضافية على الحياة العامة، خاصة في الجانب الاقتصادي وأثرها على المواطن، ومن أبرزها تقرير للمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، الذي ذكر في فبراير الماضي أن توقيت “غرينتش +1″، الذي اعتمدته الحكومة منذ عام 2018، رغم أنه “يحقق مكسبا تكتيكيا بتعزيز التزامن الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي، إلا أنه يفرض تكاليف استراتيجية موثقة على الصحة العامة والسلامة الطرقية والعدالة المجالية، دون أن يقدم دليلا قاطعا على تحقيق وفورات في الطاقة أو تعزيز الإنتاجية الإجمالية”.
وشدد التقرير على أن قرارا مثل هذا يتطلب موازنة دقيقة بين مصالح القطاعات الاقتصادية والصحة والرفاهية العامة للمجتمع.
مطالب بإلغاء الساعة الإضافية
وفي هذا السياق، قال محسن الودواري، وكيل عريضة المطالبة بإلغاء الساعة الإضافية، إن هذه العريضة انطلقت من الواقع المغربي، مشددا على أنها مبنية على تذمر المغاربة من الساعة الإضافية.
وأوضح المتحدث، في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن هذه العريضة بدأت في الأول إلكترونيا حتى تجاوزت أكثر من 300 ألف توقيع، لكن تم الانتقال إلى جمع التوقيعات في عريضة ورقية، بحكم أن العريضة الإلكترونية ليست لها أي صبغة قانونية لتقديمها إلى الحكومة.
وأشار إلى أن اللجنة المكلفة استطاعت جمع آلاف التوقيعات، غير أنه أكد أن العملية تسير ببطء بسبب تعقيدات إدارية وتقنية، مشيرا إلى مخاوف المواطنين من استغلال جدل الساعة لتحقيق مآرب انتخابية.
وأكد الودواري أن المطلب الأساسي لهذه العريضة المرتقب تقديمها إلى رئاسة الحكومة عند استيفائها للشروط القانونية، هو إلغاء الساعة الإضافية استنادا إلى معطيات موضوعية وعلمية تؤكد أن هذه الساعة ليست لها أي فائدة.
أثر اقتصادي “ضئيل”
وفي هذا السياق، قال رشيد ساري، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إن التأثير الاقتصادي للساعة الإضافية على الاقتصاد المغربي “ضئيل جدا، ولم يسجل أي تأثير علمي وعملي لهذه الساعة، حتى إن وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة صرحت بذلك”.
وأضاف لموقع “سكاي نيوز عربية” أن الحكومة أقرت الساعة الإضافية لهدفين: الأول هو مواءمة التوقيت مع شركاء المغرب في الاتحاد الأوروبي، والثاني هو الاقتصاد في استهلاك الطاقة.
وأكد ساري أنه لم تعد هناك أي حاجة لمواءمة التوقيت مع الشركاء الأوروبيين، وأن هذه المسألة أصبحت متجاوزة، مشيرا إلى أن دولا تعتمد نفس استراتيجية المغرب خلصت إلى أن الساعة الإضافية ليست لها أي نتائج.
ولفت ساري إلى أن اعتماد المغرب على التوقيت الإضافي لمواءمة سير اقتصاده مع الاقتصاد الأوروبي يضيع عليه فرص توطيد العلاقات مع شركاء آخرين مثل الصين والولايات المتحدة.
قرار سيادي
ومن جهة أخرى، يرى مهدي فقير، الخبير الاقتصادي، أن الساعة الإضافية “قرار سيادي” ويتجاوز ما أسماه بـ”المقاربة القاصرة التي تعتبرها وبالا على المغرب والمغاربة”.
وأكد فقير، في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن اعتماد الساعة الإضافية “قرار سيادي وليس قرارا عاديا، حتى لو كانت تتم إجراءاته بشكل تنظيمي”.
وشرح فقير أن الجدل القائم حاليا يخص فقط الساعة الإضافية الشتوية، لأنها تؤثر على حياة عامة المواطنين الذين يستيقظون باكرا، غير أنه أشار إلى أن المغرب له بنى تحتية يريد تسويقها، وله قرب استراتيجي ومصالح عليا مع الشركاء الأوروبيين.
واقترح المحلل ذاته أن تسن الحكومة إجراءات لمواكبة تطبيق الساعة الإضافية خلال الفترة الشتوية، وفي حال كان الإشكال هو استيقاظ المواطنين باكرا خلال الشتاء، يقترح تأخير توقيت بدء الدوام والمدرسة بساعة.
رأي القانون..
من جهته، أكد عبد العزيز خليل، الخبير القانوني، أن الساعة الإضافية “قانونية 100 بالمئة، ويتم تغييرها خلال شهر رمضان بمرسوم حكومي، ثم يتم الرجوع إلى الساعة الإضافية بنفس الطريقة”.
وأضاف الخليل أن النقاش الدائر اليوم حول هذه الساعة وتوافقها مع الإيقاع اليومي للجسم والطبيعة يبقى “حرا”، مشيرا إلى أن الحكومة تؤكد أنها تدرس تأثيرات الساعة الإضافية، وأن القرار يرتبط بالاقتصاد والشركاء الخارجيين للمغرب وتدبير الإدارة العمومية.





