بات القطاع الصحي في السودان يواجه حالة من الانهيار الشامل في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، حيث تحولت المستشفيات والمرافق الطبية إلى أهداف مباشرة في الصراع، مما حرم الملايين من أبسط حقوقهم في الرعاية الصحية، وسط تحذيرات أممية من أن تبعات هذا التدمير تتجاوز القتلى المباشرين لتشمل وفيات جماعية يمكن تفاديها.
انهيار البنية التحتية الطبية
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 37 بالمئة من المرافق الصحية في ولايات السودان الـ18 باتت خارج نطاق الخدمة، نتيجة عمليات القصف المباشر، وتضرر المباني، ونقص الكوادر والمستلزمات الطبية، وانقطاع إمدادات الكهرباء والمياه. وتتفاقم هذه الأزمة في مناطق النزاع المحتدم، لا سيما في ولايات دارفور وكردفان، حيث أغلقت منشآت طبية أبوابها بالكامل.
ومنذ اندلاع الحرب، وثقت منظمة الصحة العالمية 217 اعتداءً على الرعاية الصحية في السودان، أسفرت عن مقتل 2052 شخصاً وإصابة 810 آخرين. وتؤكد المنظمة أن هذه الأرقام تعكس واقعاً أكثر قسوة، نظراً لصعوبة رصد جميع الانتهاكات في ظل انقطاع الاتصالات والمخاطر الأمنية التي تعيق عمليات التحقق من البيانات.
أزمة إنسانية وصحية متفاقمة
وتشير المعطيات إلى أن نحو 21 مليون سوداني يفتقرون حالياً إلى الخدمات الصحية الضرورية، من إجمالي 34 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية. وتتزامن هذه الأزمة مع تصاعد خطر سوء التغذية الحاد الذي يهدد أكثر من 4 ملايين شخص خلال عام 2026، مما يزيد من هشاشة السكان أمام الأوبئة والأمراض المعدية مثل الملاريا، والحصبة، وحمى الضنك، والكوليرا، وشلل الأطفال.
تتجاوز آثار الصراع تدمير المنشآت لتشمل شل المنظومة الصحية بالكامل؛ فقد أدت الحرب إلى هجرة أعداد كبيرة من الأطباء والكوادر التمريضية، وتعطل سلاسل التوريد الخاصة بالأدوية واللقاحات والوقود اللازم لتشغيل المولدات وسيارات الإسعاف، مما جعل المستشفيات المتبقية تعتمد على إمكانات محدودة ومبادرات طوعية محفوفة بالمخاطر.
غياب المحاسبة وتفاقم الانتهاكات
رغم حظر القانون الدولي الإنساني استهداف المرافق الطبية والعاملين في القطاع الصحي، إلا أن وتيرة الاعتداءات لا تزال مستمرة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الإفلات من العقاب وغياب آليات المساءلة الفعالة يشجعان أطراف النزاع على تكرار الهجمات، مما يحول المستشفيات من ملاذات آمنة لإنقاذ الأرواح إلى ساحات للعمليات العسكرية.
إن الخسائر الناتجة عن تدمير المستشفيات ليست لحظية فحسب، بل تمتد لسنوات قادمة نتيجة توقف خدمات الرعاية المزمنة، وعمليات الجراحة، والتطعيم، وخدمات الأمومة. وعلى المستوى العالمي، سجلت المنظمة منذ بداية عام 2026 أكثر من 900 اعتداء على الرعاية الصحية، بمعدل أربعة اعتداءات يومياً، خلفت 900 قتيل و1400 مصاب، فضلاً عن احتجاز 94 من الكوادر الطبية.
وتخلص المنظمة إلى أن الحرب في السودان أصبحت تقتل المدنيين مرتين؛ مرة بالقصف المباشر، وأخرى عبر حرمانهم من العلاج والأمان، مما يجعل انهيار النظام الصحي أحد أخطر وجوه هذه الحرب وأكثرها فتكاً بالمواطنين.






