تشير دراسات علمية حديثة إلى وجود صلة مقلقة بين العمل بنظام الورديات الليلية وتدهور الصحة العامة، حيث كشفت الأبحاث أن اضطراب النوم لا يقتصر تأثيره على الشعور بالإرهاق فحسب، بل يمتد ليصبح عامل خطر يهدد بزيادة احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة وخطيرة مثل الخرف والسرطان وأمراض القلب.
مخاطر مرتبطة بوظائف الدماغ
أوضحت النتائج أن الدماغ يعتمد على النوم لتنظيف تراكمات بروتينات “الأميلويد” و”التاو”، وهي رواسب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمرض ألزهايمر. وتؤدي ليلة واحدة بلا نوم إلى رفع مستويات الأميلويد في السوائل المحيطة بالدماغ بشكل قابل للقياس، مما يعني أن تكرار هذا الأمر على مدار سنوات يمثل خطورة حقيقية. وفي هذا السياق، تتبعت دراسة سويدية أجراها باحثون في معهد “كارولينسكا” أكثر من 13 ألف عامل بنظام الورديات، بما في ذلك العمل الليلي، لفترة وصلت إلى 41 عاماً. وخلصت الدراسة إلى أن العمل بنظام الورديات في منتصف العمر يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف بنسبة 36%، وتتضاعف هذه النسبة كلما طالت سنوات العمل بهذا النظام.
ومع ذلك، يدعو الخبراء إلى الحذر في تفسير هذه النتائج، حيث يرى بعض الباحثين أن ضعف النوم لا يعد سبباً مباشراً للإصابة بالخرف، بل هو “عامل خطر محتمل” لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة. كما يُنصح بعدم إغفال العوامل الصحية الأخرى مثل ضغط الدم، والتدخين، ومرض السكري، التي تلعب دوراً محورياً في مخاطر الإصابة بألزهايمر، وهي عوامل يمكن للإنسان التدخل للسيطرة عليها.
تأثيرات على صحة القلب والتمثيل الغذائي
تؤثر قلة النوم بشكل مباشر على الجهاز المناعي؛ إذ أظهر تحليل لـ 35 دراسة أن تقليص ساعات النوم إلى نحو 4.5 ساعة لثلاث ليالٍ متتالية أو أكثر يؤدي إلى زيادة نشاط الجهاز المناعي بشكل يسبب التهابات في الجسم، وهو ما يرتبط في حال استمراره بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب. كما يؤدي اضطراب النوم إلى رفع هرمون “الكورتيزول” المسؤول عن التوتر، مما يعزز مقاومة الأنسولين ويقرب الجسم من حالة الإصابة بالسكري. هذا التأثير يتفاقم بسبب العادات الغذائية غير الصحية، مثل تناول السكريات للحفاظ على اليقظة أثناء العمل ليلاً، مما يخلق حلقة مفرغة تضر بالصحة.
العمل الليلي والسرطان
وصلت التحذيرات الصحية إلى مستويات أكثر جدية، حيث صنفت الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية العمل بنظام الورديات الليلية ضمن فئة المواد “المسرطنة المحتملة للإنسان”، واضعة إياه في ذات مستوى المخاطر المرتبط بتناول اللحوم الحمراء. وتشير الأدلة إلى وجود روابط بين العمل ليلاً والإصابة بسرطانات الثدي، والبروستاتا، والقولون.
ويعزو العلماء هذا التوجه إلى أن اضطراب الساعة البيولوجية للجسم يؤدي إلى خلل في توقيت إفراز هرمون “الميلاتونين”، الذي يُعتقد أن له خصائص مضادة للأورام. يضاف إلى ذلك نقص فيتامين (د) الناتج عن قلة التعرض لضوء النهار، بالإضافة إلى الالتهابات المزمنة التي يسببها النوم المتقطع.
