لطالما اعتُبرت الحرب جزءاً أصيلاً من التجربة البشرية، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة الصراع البشري ودوافعه العميقة. في كتابه الأخير “لم الحرب؟”، يطرح المؤرخ البريطاني ريتشارد أوفري رؤية تحليلية تتجاوز التفسيرات السياسية التقليدية، معتبراً أن الحرب ظاهرة متجذرة في التكوين البيولوجي والتاريخ الثقافي للإنسان، وليست مجرد انعكاس لفشل دبلوماسي أو سياسي عابر.

جذور العنف والنشأة التاريخية

يرفض أوفري حصر أسباب الحروب في عامل واحد، مؤكداً أنها نتاج تفاعل معقد بين الغرائز البيولوجية، والمصالح الاقتصادية، والمعتقدات، وحسابات القوة. وعبر استقراء أدلة أنثروبولوجية وتاريخية تمتد لـ 30 ألف عام، يتحدى المؤلف فرضية أن المجتمعات البدائية كانت مسالمة، مشيراً إلى أن العنف الجماعي كان استراتيجية عززت فرص بقاء المجموعات البشرية وتفوقها، مستشهداً برأي عالم الأنثروبولوجيا بيير كلاستر بأن “المجتمع البدائي هو مجتمع حرب”.

دوافع تتجاوز السياسة

يستعرض الكتاب مجموعة من المحفزات التي دفعت البشر للقتال عبر العصور، وعلى رأسها الصراع على الموارد (كالمياه والأراضي والطاقة)، إلى جانب الدوافع الدينية والأيديولوجية التي تُضفي صبغة أخلاقية على العنف. كما يركز أوفري على “الطموح الفردي” لدى القادة التاريخيين مثل الإسكندر الأكبر ونابليون بونابرت وأدولف هتلر، موضحاً أن هؤلاء القادة غالباً ما ساقوا ذرائع واهية لتبرير حروب توسعية، لم تكن تلبي احتياجات دولهم الحقيقية، بل ساهمت في نهاية المطاف في إضعافهم وانهيارهم.

تفكيك التوقعات حول السلام

لا يتبنى الكتاب نظرة متفائلة بشأن تلاشي الحروب؛ إذ يرى المؤلف أن غياب الحروب العالمية الكبرى في العقود الأخيرة لا يعني انحسار العنف، بل يشير إلى تزايد مستمر في الصراعات ذات النطاق الأضيق. ويخلص أوفري إلى أن فهم الجذور المتشابكة للحرب -باعتبارها ظاهرة تتجاوز السياسة لتلامس صميم الطبيعة البشرية- يمثل شرطاً أساسياً لأي محاولة جادة للحد منها، مشدداً على أن التعمق في دراسة هذه الدوافع هو السبيل الوحيد لفهم استمرارية الحرب كظاهرة عبر التاريخ.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version