في كتابه الصادر حديثاً بعنوان «أسطورة الغرابة… هل ينبغي الخوف من الذكاء الاصطناعي؟»، يفكك الأكاديمي المتخصص جان غابرييل غاناسيا المخاوف الرائجة حول “التفرد التكنولوجي”، مؤكداً أن الفرضيات التي تتنبأ بسيطرة الآلات على البشر تفتقر إلى أسس علمية رصينة، وتعد أقرب إلى الخيال العلمي منها إلى الواقع التقني.
نقد عقلاني لـ “نبوءات” التكنولوجيا
يتبنى غاناسيا، الذي يمتلك مسيرة أكاديمية تمتد منذ سبعينات القرن الماضي، موقفاً نقدياً متزناً تجاه الضجيج الإعلامي المحيط بالذكاء الاصطناعي. ورغم اعترافه بالتطور المذهل في الخوارزميات والتعلم الآلي، فإنه يرفض تحويل هذه الإنجازات إلى “نبوءات ميتافيزيقية” تتوقع نهاية الإنسان أو ولادة عقل آلي خارق.
تفنيد فكرة “التفرد”
يتناول الكتاب مفهوم “التفرد التكنولوجي” الذي يروج له شخصيات بارزة في عالم التقنية، مثل راي كرزويل، ونيك بوستروم، وستيفن هوكينج، وبيل غيتس، وإيلون ماسك، الذين حذروا في مناسبات مختلفة من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة أو اعتباره تهديداً وجودياً. ويرى غاناسيا أن هذه التحذيرات تتبنى لغة تنبئية تهدف إلى إثارة الانبهار والخوف، مستفيدين من جاذبيتها الإعلامية في تعزيز مصالحهم التمويلية والسياسية.
تبعية الآلة للإنسان
يؤكد المؤلف أن الآلات، مهما بلغت درجة تعقيدها، تظل تابعة كلياً للإرادة البشرية. فهي تعتمد في عملها على التصاميم والخوارزميات والبيانات والمعايير التي يضعها البشر. ويوضح غاناسيا أن الأنظمة الذكية تفتقر إلى الوعي الذاتي أو الإرادة الحرة، وما تقوم به هو معالجة حسابية للرموز، لا تفكيراً بالمعنى الإنساني المعتمد على الخبرة والسياق الثقافي.
التركيز على التحديات الواقعية
يدعو الكتاب إلى توجيه الاهتمام نحو المخاطر الحقيقية بدلاً من سيناريوهات الخيال العلمي، مثل قضايا المراقبة الرقمية، والتحكم في البيانات، والتحيز الخوارزمي، وتأثير التكنولوجيا على مستقبل العمل. ويرى أن التعامل العقلاني مع هذه القضايا الأخلاقية والاجتماعية هو السبيل الأمثل لضبط التطور التكنولوجي، بعيداً عن أساطير سيطرة الآلة التي تُستخدم أحياناً لتبرير الهيمنة الاقتصادية.
إشادة نقدية
لقي الكتاب الذي ترجمه إلى العربية صلاح العبد الله، ترحيباً واسعاً في الأوساط النقدية؛ إذ أشاد المتخصصون بقدرة غاناسيا على الدمج بين الرصانة العلمية والتحليل الفلسفي، ليقدم طرحاً يوازن بين الإقرار بفوائد التكنولوجيا وبين رفض التهويل الذي لا يستند إلى العلم.
