تضع التطورات الأخيرة في سوق السندات الأميركية مجلس الاحتياطي الفيدرالي أمام مفترق طرق حرج، حيث سجلت عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً أعلى مستوياتها منذ نحو عقدين، في مؤشر يعكس تصاعد المخاوف من السياسات المالية الحالية والضغوط التضخمية المستمرة.

وقد ارتفع العائد على السندات طويلة الأجل بنحو ست نقاط أساس ليصل إلى 5.31 بالمئة، متجاوزاً مستويات الشهر الماضي ومسجلاً رقماً قياسياً لم تشهده الأسواق منذ عام 2007. يأتي هذا الصعود نتيجة تضافر عوامل عدة، أبرزها العجز الحكومي السنوي الذي يقترب من حاجز الـ 2 تريليون دولار، وارتفاع الدين الوطني نحو مستوى 40 تريليون دولار، بالإضافة إلى زيادة اقتراض الشركات لتمويل طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتراجع الطلب التقليدي على السندات طويلة الأجل.

مخاطر “حراس السندات” على استقرار السوق

وأشارت شركة “سيتاديل سيكيوريتيز” في مذكرة للعملاء إلى أن إحجام الفيدرالي عن تشديد سياسته النقدية، رغم بقاء التضخم فوق المستهدف لخمس سنوات متتالية، يضع الأسواق في مهب الريح. وأكد نوهشاد شاه، مدير إدارة الاستثمارات ذات العائد الثابت في الشركة، أن عوائد السندات ترتفع رغم أن الفائدة الرئيسية لا تزال أقل بـ 175 نقطة أساس من ذروتها، معتبراً أن السوق يرى توجهاً من صناع السياسة النقدية والمالية نحو اختيار “الطريق الأسهل” لمواجهة الأزمات، وهو ما يهدد استقرار الأسواق بشكل أوسع.

وفيما يخص اجتماع لجنة السوق المفتوحة المقبل، حذر شاه من استباق الأمور بخصوص خفض الفائدة، مشدداً على أن القرار لا يزال غير محسوم، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار أكثر من 55 بالمئة من السلع الأساسية. ويواجه الفيدرالي معضلة صعبة؛ فبينما يؤدي الخفض المبكر للفائدة إلى مخاطر عودة التضخم، يساهم الإبقاء على معدلات مرتفعة في تعميق أزمة الديون وزيادة الضغوط على قطاع الرهن العقاري والنمو الاقتصادي.

ضغوط التمويل وعلاوة الأجل

من جانبه، أوضح مونتي صفي الدين، رئيس قسم الأبحاث في “كابيتال دوت كوم”، أن المستثمرين أصبحوا يطالبون بـ “علاوة أجل” (Term Premium) أعلى لتعويض مخاطر الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل في ظل حالة الشكوك حول مسار التضخم. وأشار إلى أن وفرة الإصدارات الحكومية لتمويل المشاريع التكنولوجية والذكاء الاصطناعي تفرض ضغوطاً إضافية على الأسعار والعوائد.

وأضاف صفي الدين أن ارتفاع عوائد سندات العشر سنوات -التي تعد المرجع الأساسي لتسعير الائتمان- ينعكس مباشرة وبشكل سلبي على تكاليف قروض الرهن العقاري وتمويل الشركات. كما لفت إلى عودة ظاهرة “حراس السندات” (Bond Vigilantes) للواجهة؛ وهم المستثمرون الذين يلجؤون لبيع السندات كرسالة اعتراض على السياسات المالية غير المنضبطة، مما يرفع تكلفة الاقتراض على الحكومة، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية بفعل صدمات أسعار النفط المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version