يستعد معرض أبوظبي الدولي للكتاب لإطلاق دورته الخامسة والثلاثين في 13 سبتمبر 2026، حيث اختار القائمون عليه عالم اللغة الفذ الخليل بن أحمد الفراهيدي ليكون “الشخصية المحورية” لهذه النسخة، في خطوة تهدف إلى إبراز إسهاماته الجوهرية في المعرفة الإنسانية وربط تراثه العريق بآفاق المستقبل.
يأتي هذا الاختيار ضمن النهج الذي يتبناه مركز أبوظبي للغة العربية في تقديم الرموز التاريخية كشركاء فاعلين في صناعة المعرفة، حيث سبق للمعرض أن احتفى بشخصيات بارزة مثل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وابن خلدون، ونجيب محفوظ، وابن سينا. ولا يقتصر الهدف من هذه المبادرة على التكريم التاريخي فحسب، بل يمتد لتقديم تلك القامات للأجيال المعاصرة كمرجعية للإبداع والمنهجية العلمية.
الفراهيدي.. عبقرية استشرفت المستقبل
يُعد الفراهيدي نموذجاً معرفياً متفرداً؛ فقد وضع أسس البحث اللغوي عبر مؤلفه الرائد “العين” الذي صُنّف كأول معجم عربي يعتمد النظام الصوتي، بالإضافة إلى تأسيسه علم العروض الذي نظم أوزان الشعر العربي. وتكتسب شخصية الفراهيدي راهنية خاصة في عصرنا الحالي الذي يتسارع فيه التطور في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة اللغوية، وتحليل البيانات الضخمة.
ويشير اختيار الفراهيدي إلى التناغم بين منهجية العالم القديم وقواعد العصر الرقمي؛ فالفراهيدي تعامل مع اللغة كنظام دقيق قابل للتحليل والتصنيف، وهو جوهر العمل التقني الحديث. ومن خلال هذا الاحتفاء، يوجه معرض أبوظبي الدولي للكتاب رسالة مفادها أن الاستثمار في اللغة العربية يتطلب فهماً عميقاً لمنجز الرواد الأوائل وتوظيفه في إنتاج معرفة جديدة تواكب التحولات العالمية.
منصة للحوار الحضاري
يعكس اختيار الفراهيدي رؤية أبوظبي للثقافة باعتبارها استثماراً استراتيجياً يتجاوز النخبوية، لتكون منصة تفاعلية تجمع الباحثين والمبرمجين وصناع المحتوى. ويحرص المعرض في دورته القادمة على دمج هذه الشخصية المحورية ضمن خطاب ثقافي متكامل يضم برامج فكرية وجلسات حوارية، مما يعزز مكانة الحدث كمنصة للقوة الناعمة والحوار الحضاري العالمي.
وفي الختام، يمثل الاحتفاء بالفراهيدي تأكيداً على أن الحضارات القادرة على قراءة تراثها بعين تترقب المستقبل هي وحدها التي تمتلك أدوات صناعته، حيث لم يترك الفراهيدي مؤلفات فحسب، بل أرسى منهجية تفكير لا تزال ملهمة للعقول عبر العصور.
