تسعى سلطة بورتسودان بشكل استباقي إلى إجهاض مساعي تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، وذلك قبيل انطلاق الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، المقرر عقدها بين 7 سبتمبر و9 أكتوبر 2026، في خطوة يرى مراقبون أنها تهدف إلى قطع الطريق أمام المساءلة الدولية.
وفي هذا السياق، طلب مندوب بورتسودان لدى الأمم المتحدة في جنيف، حسن حامد حسن، من سفراء 28 دولة عضواً في مجموعة “الدول النامية المتشابهة في التفكير” -التي تقودها الصين- دعم موقف سلطته الرافض للتجديد للبعثة، متذرعاً بحجج “السيادة الوطنية”. ومع ذلك، لم يسفر الاجتماع عن أي بيان مشترك أو تعهد جماعي بمساندة هذا الطلب، حيث اكتفى السفراء بالاستماع للمندوب دون تبني موقفه رسمياً.
وأكد مدير مركز السودان للمعرفة في جنيف، عبد الباقي جبريل، أن التحرك السوداني ظل أحادياً، مشيراً إلى أن الدول المعنية لم تشكل كتلة تصويتية ضد البعثة خلافاً لما حاول الخطاب الرسمي تصويره. وأوضح جبريل أن السلطة في بورتسودان تطالب بإنهاء عمل البعثة بذريعة وجود تحقيقات وطنية، بينما هي في الواقع منعت البعثة من دخول البلاد والوصول إلى مواقع الانتهاكات والضحايا، مما اضطرها لإجراء تحقيقاتها من الخارج عبر جمع الأدلة والشهادات والتقنيات الرقمية المعتمدة.
محاولات الإفلات من المساءلة
يرفض حقوقيون مبررات سلطة بورتسودان التي تستند إلى وجود آليات أممية أخرى -مثل مكتب المفوض السامي وخبير حقوق الإنسان وفريق الخبراء المعني بالقرار 1591- للادعاء بانتفاء الحاجة لبعثة تقصي الحقائق. ويشدد الخبراء على وجود تباين جوهري في الولايات؛ حيث تختص البعثة بجمع الأدلة وتوثيق الجرائم وتحديد المسؤولين عنها تمهيداً لمحاكمات دولية أو وطنية محتملة، وهو ما يدعمه تحالف يضم 68 منظمة حقوقية ومدنية دولية، طالبت بتمديد الولاية لعامين إضافيين مع توفير الموارد اللازمة.
ويشير الحقوقيون إلى أن أطراف الصراع، بما في ذلك الجيش، أثبتوا عدم قدرتهم أو رغبتهم في إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة، مما يجعل البديل الوطني الذي تروج له السلطة مفتقراً للمصداقية. كما يرى مراقبون أن الحملة ضد البعثة تهدف إلى حماية قادة الجيش وحلفائهم من الملاحقة في قضايا القصف العشوائي، والتعذيب، والاعتقال التعسفي، والانتهاكات في مناطق مثل “الفاشر” و”الأبيض”.
مغالطة التساوي بين الأطراف
فيما يتعلق باتهامات المندوب السوداني للبعثة بـ “المساواة بين الجيش وقوات الدعم السريع”، يؤكد الحقوقيون أن تفويض البعثة يلزمها بالتحقيق في انتهاكات كافة الأطراف بناءً على الأدلة، لا على الصفة السياسية أو العسكرية. ويشيرون إلى أن مجلس حقوق الإنسان كلف البعثة مؤخراً بالتحقيق في انتهاكات “الدعم السريع” في مدينة الأبيض، مما يدحض ادعاءات انحياز الآلية الأممية.
وتظل قضية تمديد الولاية معلقة بقرار الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان. ويحذر حقوقيون من أن أي خطوة لإنهاء عمل البعثة حالياً لن تؤدي إلا إلى طمس الأدلة وتوسيع فجوة الإفلات من العقاب، خاصة في ظل استمرار الحرب وتعطل أجهزة العدالة الوطنية.
