انطلق تلسكوب “رومان” الفضائي بنجاح في رحلته نحو الكون، معلناً بداية مرحلة جديدة من الرصد الفلكي، حيث يُنتظر أن يمثل مكملاً جوهرياً لعمل تلسكوبَي “هابل” و”جيمس ويب”. انطلقت المهمة من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا على متن صاروخ “فالكون هيفي” التابع لشركة “سبيس إكس”، متوجهاً نحو نقطة “لاغرانج الثانية” التي تبعد عن الأرض حوالي 1.6 مليون كيلومتر.

تعد هذه المهمة، التي بلغت تكلفتها 4.3 مليار دولار، إنجازاً تقنياً لافتاً، إذ تم تنفيذها قبل موعدها المحدد بتسعة أشهر وضمن الميزانية المقررة، ومن المتوقع بدء العمليات العلمية في عام 2027 عقب وصول التلسكوب واستكمال اختبارات المعايرة الدقيقة لأجهزته.

عين بانورامية واسعة

يتميز “رومان” بقدرة استثنائية بفضل مرآته التي يبلغ قطرها 2.4 متر، وهي تعادل في حجمها مرآة “هابل”، لكنه يتفوق عليه بكاميرا الأشعة تحت الحمراء التي توفر مجال رؤية أوسع منه بأكثر من 100 مرة. وبفضل هذه التقنية، يمكن للتلسكوب الجديد إنجاز مسوحات فضائية في شهر واحد قد يستغرق “هابل” قرناً كاملاً لإتمامها. وتتوقع وكالة “ناسا” أن يولد التلسكوب نحو 500 تيرابايت من البيانات سنوياً، متجاوزاً بذلك إجمالي ما جمعه “هابل” خلال 35 عاماً.

تكامل مع المراصد الكبرى

لا يأتي “رومان” كبديل لتلسكوبَي “هابل” أو “جيمس ويب”، بل كحلقة وصل ضمن شبكة متكاملة. فبينما يركز “هابل” على الرؤية الدقيقة لرقع صغيرة من السماء، ويعمل “جيمس ويب” كعدسة تقريبية (زووم) لرصد أعماق الكون الأولى، يعمل “رومان” كعدسة واسعة الزاوية مهمتها مسح مساحات شاسعة لاستكشاف الظواهر الغامضة، ومن ثم توجيه التلسكوبات الأخرى نحو الأهداف الأكثر أهمية لإجراء دراسات تفصيلية.

أسرار الكون المظلم وعوالم جديدة

تركز المهمة العلمية الرئيسية لـ”رومان” على كشف أسرار المادة المظلمة والطاقة المظلمة، اللتين تشكلان 95 بالمئة من محتوى الكون. سيقوم التلسكوب برسم خريطة ثلاثية الأبعاد لأكثر من ملياري مجرة، ومتابعة آلاف المستعرات العظمى، مما يساعد العلماء في فهم توزيع المادة وتطور الكون، وربما اختبار صحة نظرية النسبية العامة لأينشتاين على نطاقات كونية واسعة.

وعلى صعيد آخر، سيجري “رومان” أضخم إحصاء للكواكب خارج المجموعة الشمسية باستخدام تقنية “العدسة الجاذبية الدقيقة”، مع توقعات باكتشاف نحو 100 ألف كوكب جديد. كما يحمل التلسكوب جهاز “كوروناغراف” تجريبياً لحجب ضوء النجوم، ما قد يفتح الباب مستقبلاً أمام تصوير كواكب شبيهة بالأرض.

من التجسس إلى استكشاف النجوم

في مفارقة لافتة، تعود المرآة الرئيسية للتلسكوب إلى برنامج أقمار تجسس سابق، حيث تبرع مكتب الاستطلاع الوطني الأميركي بمرآتين فائضتين لوكالة “ناسا”. وبذلك، تحولت أداة صُممت في الأصل لمراقبة الأرض إلى أسرع عين توجه نظراتها نحو أسرار الكون، واضعةً الأساس لأضخم أرشيف بانورامي في تاريخ الفلك.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version