استضافت مكتبة محمد بن راشد في دبي ملتقى «أدب الرسائل»، الذي جمع نخبة من الكتاب والباحثين لاستعراض تاريخ فن المراسلات في الثقافة العربية، وتسليط الضوء على دوره في كشف الجوانب الإنسانية والفكرية في حياة الأدباء والقادة.
شهد الملتقى جلسة افتتاحية أدارتها مريم الساعدي، وتحدث فيها الدكتور صالح هويدي، أستاذ النقد الأدبي الحديث، عن حضور الرسائل في الثقافة الإماراتية. وأشار هويدي إلى أهمية رسائل القادة بوصفها أداة توجيه وقيمة، متخذاً من رسائل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، نموذجاً يجسد العلاقة الحميمة والقريبة بين الحاكم والمجتمع، خاصة تلك التي تضمنها برنامج «الخط المباشر».
عالم المعري ونثر التراسل
وخصص الملتقى جانباً واسعاً لمناقشة أدب أبي العلاء المعري، حيث قدم الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، قراءة تاريخية لتطور فن الرسائل. وأكد بن تميم أن المعري ارتقى بالرسالة لتصبح جنساً أدبياً مستقلاً، مستشهداً بأعماله مثل «رسالة الغفران»، و«رسالة الملائكة»، وكتاب «الصاهل والشاحج» الذي يعكس قدرة المعري على استخدام الرموز الحيوانية لإيصال دلالات اجتماعية وسياسية، لافتاً إلى أن عزلة المعري جعلت من الكتابة وسيلة للمقاومة والتواصل.
من جانبه، حلل الدكتور خليل الشيخ الخصائص الفنية لنصوص المعري، موضحاً أنها تحولت إلى نصوص أدبية مفتوحة تتجاوز المراسلات التقليدية، وتتميز بكثافة اللغة، والاستطراد، والسخرية، والقدرة العالية على الاقتباس.
رسائل الأدباء: بوحٌ وخلفيات فنية
وفي جلسة بعنوان «رسائل الأدباء.. مساحة خاصة بين الفن والإبداع»، ناقش المشاركون تحولات فن التراسل. وأشار حسين درويش إلى أن الرسالة كانت ولا تزال فضاءً وجدانياً خاصاً، مستحضراً في ذلك مراسلات جبران خليل جبران ومي زيادة. بينما وصف علي عبيد الهاملي رسائل الأدباء بـ«الغرفة السرية» التي تتيح للقارئ التعرف على الوجه الإنساني للمبدع بعيداً عن أعماله المنشورة، محدداً ستة مفاتيح لقراءتها هي: البوح، والإنسان، والأفكار، والعصر، والخصوصية، والأدب.
بدوره، اعتبر الدكتور عمر عبدالعزيز أدب الرسائل فناً مركباً يتقاطع فيه الأدب مع الموسيقى والفلسفة والبصر، مستشهداً بنماذج تاريخية كرسائل إخوان الصفا وأبي حيان التوحيدي.
مدرسة الجاحظ في التراسل
واختتم الملتقى فعالياته بجلسة حول رسائل الجاحظ، حيث أكدت أمل صارم أن دراسة هذه الرسائل تفتح آفاقاً جديدة لقراءة التراث العربي. وقدم الدكتور محمد عيسى تحليلاً للبناء الفني في نصوص الجاحظ، مشدداً على فرادته في دمج الخطاب الإهدائي بالتحليل الاجتماعي والاستطراد القصصي، بينما تناول الأستاذ العربي بن ثائر شخصية الجاحظ بوصفه مفكراً كتب بروح الأديب المبدع.
