تشهد الصين تحولاً استراتيجياً في هيكلية طاقتها، حيث بدأ التوسع المتسارع في مصادر الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، في إزاحة الوقود الأحفوري تدريجياً. هذا التحول لا يقتصر على كونه خياراً بيئياً، بل بات ركيزة أساسية لتعزيز أمن الطاقة الوطني وضمان استدامة النمو الاقتصادي في مواجهة التحديات الجيوسياسية العالمية.
نقطة تحول في مشهد الطاقة الصيني
كشف تقرير حديث صادر عن مركز أبحاث الطاقة «إمبر» أن استخدام الوقود الأحفوري بات في حالة ركود في أجزاء واسعة من الاقتصاد الصيني، مع حلول الكهرباء النظيفة محل الفحم والنفط في العديد من المهام الحيوية. وتؤكد البيانات أن إنتاج الكهرباء من الفحم توقف عن النمو في 17 مقاطعة ومنطقة، بينما بلغ استهلاك الوقود الأحفوري ذروته في 8 من أصل 11 قطاعاً صناعياً.
وفي هذا السياق، أشار مويي يانغ، كبير المحللين في «إمبر»، إلى أن نظام الطاقة النظيفة في الصين اكتسب قوة واتساعاً كافيين للقيام بأدوار كانت تعتمد كلياً على الوقود الأحفوري سابقاً. وأوضح يانغ لوكالة «فرانس برس» أن هذا التطور يعزز قدرة بكين على الصمود أمام أزمات الإمدادات العالمية، مثل احتمال إغلاق مضيق هرمز جراء التوترات في الشرق الأوسط.
الطاقة الشمسية تتصدر المشهد
سجلت الصين إنجازاً بارزاً مطلع سبتمبر 2026، بتجاوز القدرة المركبة للطاقة الشمسية قدرة محطات الفحم للمرة الأولى، لتصبح المصدر الأول للطاقة في البلاد. وقد انعكس هذا التحول إيجاباً على مؤشرات الانبعاثات، حيث أشار مركز «كربون بريف» إلى تراجع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون خلال الربع الثاني من العام، مدفوعاً بانخفاض استهلاك النفط.
وعلى الرغم من ارتفاع الطلب على الكهرباء بنسبة 5% في عام 2025، انخفض إنتاج الكهرباء من المحطات الحرارية (التي تعمل غالباً بالفحم) بنسبة 0.7%. ويؤكد خبراء «إمبر» أن هذا التراجع يعكس تحولاً هيكلياً في نمط استهلاك الاقتصاد للطاقة، وليس انكماشاً في القاعدة الصناعية، وهو توجه يماثل ما شهدته سابقاً اقتصادات متقدمة كالمملكة المتحدة واليابان وألمانيا.
ثورة النقل وصادرات التقنيات النظيفة
يلعب قطاع النقل دوراً محورياً في هذا المسار؛ إذ ساهم الانتشار الواسع للمركبات الكهربائية في الصين في خفض استهلاك البنزين بنحو 400 ألف برميل يومياً خلال عام 2024. وقد استحوذت سيارات الركاب الكهربائية على 67% من مبيعات السيارات الجديدة في يونيو الماضي، بينما سجلت مبيعات الشاحنات الكهربائية نمواً متسارعاً لتصل إلى 26% من إجمالي المبيعات في 2025.
ولا يتوقف التأثير عند الاستهلاك المحلي، فقد تحولت الصين إلى قوة تصديرية عالمية في مجال تقنيات الطاقة النظيفة. حيث بلغت قيمة صادراتها في هذا القطاع نحو 220 مليار دولار في عام 2025، لتشكل 6.6% من إجمالي صادرات البلاد في النصف الأول من 2026، مقابل 2.7% فقط في 2020. وبذلك، أصبحت الصين توفر للعالم، بما في ذلك الدول التي كانت تعتمد سابقاً على الوقود الأحفوري، المعدات اللازمة للاستغناء عنه، كالألواح الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية.
