في خطوة بحثية مبتكرة، نجح فريق علمي من جامعة “روتجرز” الأميركية في توظيف دودة “الربداء الرشيقة” (سي إليغانس) كنموذج حي لدراسة الطفرات الجينية المرتبطة بمرض الكلى متعدد الكيسات السائد وراثياً، وهو اضطراب يؤدي إلى تكوّن أكياس مملوءة بالسوائل داخل الكليتين، مما قد يفضي بمرور الوقت إلى الفشل الكلوي.

لماذا دودة بلا كلى؟

على الرغم من افتقار الدودة إلى الكلى، إلا أنها تمتلك نظائر للبروتينات البشرية المتورطة في هذا المرض، وتحديداً بروتيني “بولي سيستين-1″ و”بولي سيستين-2”. تعمل هذه البروتينات داخل “الأهداب”؛ وهي تراكيب خلوية دقيقة تلعب دور الهوائيات لاستشعار البيئة المحيطة، وهو ما سمح للعلماء برصد تأثير الطفرات الجينية عبر قياس تغيرات ملموسة في سلوك التزاوج لدى ذكور الديدان.

بروتينات ضلت طريقها

باستخدام تقنية “كريسبر” للتعديل الجيني، قام الباحثون بإدخال طفرة بشرية محتملة في الجين المسؤول عن إنتاج بروتين “بولي سيستين-2”. وأظهرت الصور المجهرية فائقة الدقة أن البروتين المتحور فشل في الوصول إلى وجهته في “الأهداب”، حيث انخفضت مستوياته داخل الخلايا العصبية بنسبة كبيرة، وظل عالقاً في جسم الخلية، وكأنه منتج تعطل خروجه من المصنع إلى ميدان العمل.

كما رصدت الدراسة تأثيراً جانبياً للطفرة؛ إذ أدى تعطيل “بولي سيستين-2” إلى زعزعة استقرار شريكه “بولي سيستين-1” واختفائه أيضاً من الأهداب، مما انعكس سلباً على سلوك الديدان، حيث لم يمارس التزاوج سوى 20 بالمئة فقط من الذكور المصابين بالطفرة، مقابل النسبة الكاملة لدى الأصحاء.

نتائج واعدة لفهم الطفرات الغامضة

في تجربة تتبع للمسار الجيني، تبين أن وجود نسخة سليمة من البروتين كان كافياً لاستعادة الوظائف الطبيعية للدودة، إذ وصل البروتين السليم إلى موقعه وأدى وظيفته رغم وجود النسخة المعيبة. ونُشرت هذه النتائج في دورية “جينيتيكس” العلمية في يوليو 2026، وعرضتها جامعة “روتجرز” في 21 سبتمبر.

ويؤكد الباحثون أن هذه الدراسة، رغم أنها لا تقدم علاجاً للمرض، إلا أنها توفر أداة عملية لفك شفرة الطفرات الجينية التي يكتشفها الأطباء في الاختبارات ولا يعرفون مدى خطورتها. وبذلك، تفتح هذه التجربة نافذة لفهم أفضل للأمراض الوراثية المعقدة من خلال تحويل خلل جيني غامض إلى ظاهرة ملموسة وقابلة للقياس داخل كائن حي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version