يؤكد خبراء الطب أن العلاقة بين تناول الملح وارتفاع ضغط الدم ليست نمطية كما هو شائع؛ إذ يختلف تأثير الصوديوم من شخص لآخر بناءً على عوامل وراثية دقيقة، مما يفتح آفاقاً جديدة لما يعرف بـ “الطب الدقيق” في تحديد العلاج المناسب وكميات الملح المسموح بها لكل حالة.
وعلى الرغم من الارتباط الوثيق بين الإفراط في الصوديوم وارتفاع الضغط، إلا أن دراسات أجراها باحثون من جامعة هارفارد أظهرت تباينات واضحة؛ فبينما يستجيب البعض بارتفاع ملحوظ في الضغط، لا يتأثر آخرون بالدرجة نفسها، بل إن فئة محدودة قد يرتفع لديها الضغط عند تقليل تناول الملح.
آلية تأثير الملح على ضغط الدم
يتفاعل الجسم مع فائض الصوديوم عن طريق حبس السوائل لتخفيف تركيزه، مما يؤدي إلى زيادة حجم الدم داخل الأوعية، وهو ما يرفع الضغط على جدرانها ويُجبر القلب على بذل مجهود إضافي. وعلاوة على ذلك، يقلل النظام الغذائي الغني بالملح من فاعلية الأدوية المعالجة للضغط، مثل مدرات البول وموسعات الأوعية، لأن احتباس السوائل الناتج عن الصوديوم يعيق عمل هذه العقاقير.
لماذا تتفاوت الاستجابة للأملاح؟
تشير التقديرات إلى أن حوالي ثلث الأشخاص الأصحاء، ونحو 60% من مرضى ضغط الدم، يمتلكون “حساسية للملح”، حيث يرتفع ضغطهم بمقدار 5 درجات أو أكثر عند زيادة استهلاك الصوديوم. وفي المقابل، يوجد حوالي 10% من الأشخاص يعانون من “حساسية عكسية”، إذ يرتفع ضغطهم عند خفض كميات الملح في نظامهم الغذائي.
الجينات وتطور العلاج
أرجع العلماء هذه التباينات إلى أسس وراثية، حيث تم رصد 18 تغيراً جينياً مرتبطاً بحساسية الملح. ويوضح البروفيسور جوردون وليامز، أستاذ الطب في كلية الطب بجامعة هارفارد، أن تغيراً في بروتين “ستراتين” يسبب حساسية الملح عبر آليات مختلفة؛ فلدى الرجال يؤثر على تدفق الدم عبر الكليتين، بينما يرفع مستويات هرمون الألدوستيرون لدى النساء.
هذا الاكتشاف قد يغير استراتيجيات العلاج، حيث تبين أن الرجال الحاملين لهذا التغير الجيني يستجيبون بشكل أفضل لمثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين، بينما تستفيد النساء أكثر من مضادات مستقبلات القشرانيات المعدنية. ويشير وليامز إلى أن فهم هذه الاختلافات الجينية ينهي نهج “التجربة والخطأ” في اختيار الأدوية، وقد يسمح فحص دم بسيط مستقبلاً بتحديد الكمية الآمنة من الملح ونوع الدواء الأكثر فاعلية لكل مريض، في تطبيق مباشر لمفهوم الطب الدقيق.
