في رحلةٍ استثنائيةٍ تفيض بالتأملات، يأخذنا الكاتب البريطاني الراحل وليم جولدنج (1911 – 1993) عبر كتابه «يوميات مصرية»، الذي ترجمه إلى العربية سمير محفوظ بشير، في رحلة نيلية ممتدة تكشف عن تفاصيل الحياة المصرية كما رصدتها عيناه في عام 1984.

بدأ جولدنج الحائز على جائزة نوبل في الأدب لعام 1983 رحلته في سن الثالثة والسبعين، مستقلاً مركباً متواضعاً يرافقه زوجته وعدد من البحارة. ورغم التوقعات التي سبقت الرحلة، فوجئ الكاتب بأن طبيعة الملاحة في النيل جعلت رؤية الضفاف صعبة ومحدودة، حيث كانت ضفتا النهر منخفضتين، مما أتاح له في معظم الأوقات رؤية القمم العليا لأشجار النخيل فقط.

تجربة إنسانية تتجاوز محدودية الرؤية

لم يحل انخفاض مستوى الرؤية دون تعمق جولدنج في التجربة، حيث كانت الرحلة التي تمت في فبراير 1984 فرصة ذهبية لزيارة مدن مصرية متنوعة، ولقاء شرائح مختلفة من المواطنين والمسؤولين. وقد وثق الكاتب تفاصيل تلك الرحلة الشتوية بأسلوبه الأدبي الرصين، معززاً مشاهداته بمجموعة من الصور الفوتوغرافية التي التقطها بنفسه لتوثيق تفاصيل الحياة اليومية على ضفاف النهر الخالد.

ولم تكن «يوميات مصرية» مجرد سجل لرحلة بحرية، بل تجسيداً لمحاولة أديب كبير لاستكشاف بلد يختزل تاريخاً وحضارة عريقة. وقد تنقل جولدنج بين مواقع أثرية عدة، واضعاً المقارنات بين عظمة الموروث الفرعوني وتعقيدات الواقع المصري في ثمانينيات القرن العشرين، في محاولة منه لفهم الثقافة المحلية والعادات المتأصلة في عمق المكان.

تظل هذه اليوميات نافذة للقارئ العربي لرؤية مصر بعيون أجنبية آثرت الاقتراب ببطء من تفاصيل المكان. وكما هو حال النيل الذي لا يتوقف عن حمل الحكايات عبر الزمن، استطاع جولدنج أن يحول رحلته إلى نص أدبي باقٍ في الذاكرة، محتفظاً بروح تلك التجربة التي جمعت بين مشقة الشتاء ومتعة الاكتشاف.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version